مسعود بارزاني… مهندس السلام وصانع التوازن في لحظة مفصلية

الصحفي والمحامي عرفان الداوودي

في زمنٍ تتزاحم فيه الحروب وتضيق فيه مساحات العقل، يبرز اسم الرئيس مسعود بارزاني بوصفه رجل التوازنات الصعبة، ومهندس السلام الذي يعرف متى يتقدّم الحوار على صوت السلاح، ومتى تُدار الأزمات بالعقل لا بالانفعال.
من بيرمام، لم يكن الاجتماع الذي استضافه الرئيس بارزاني حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل رسالة سياسية عميقة في توقيتها ومضمونها واتساع دلالاتها.

لقد جمع اللقاء أطرافًا فاعلة ومؤثرة في مستقبل سوريا والمنطقة:
السفير توماس باراك المبعوث الخاص للرئيس الأميركي لشؤون سوريا،
القنصل العام الأميركي في أربيل ويندي غرين،
قائد القوات الأميركية في سوريا الجنرال كيفن لامبارت،
الكولونيل زاكاريا كورك،
القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي،
ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا محمد إسماعيل (ENKS).
هذا التنوّع بحد ذاته يعكس الثقة الدولية والإقليمية بدور بارزاني كوسيط نزيه وفاعل.

منذ اللحظة الأولى، وضع الرئيس بارزاني بوصلة اللقاء باتجاه السلام ومنع العنف، مؤكدًا أن سوريا الجديدة لا يمكن أن تُبنى إلا على الحوار، والاستقرار، والتعايش، بعيدًا عن منطق الإقصاء والسلاح. كلمات بارزاني لم تكن مجاملات دبلوماسية، بل امتدادًا لتجربة طويلة في إدارة الأزمات الكردية والإقليمية، حيث كان السلام دائمًا خيارًا استراتيجيًا لا شعارًا إعلاميًا.

بدورها، عبّرت الولايات المتحدة، عبر السفير توماس باراك، عن تقديرها العالي لدور الرئيس بارزاني، معتبرة أن استضافته وتنظيمه لهذا الاجتماع يندرج ضمن دعم متواصل لمسار الاستقرار، ويؤكد مكانة إقليم كردستان كفاعل مسؤول في معادلات المنطقة.

من السياسة إلى الميدان

لم يتوقف اللقاء عند العموميات، بل دخل في تفاصيل ميدانية حساسة، أبرزها آليات التنسيق العسكري واللوجستي في مناطق التماس مثل دير حافر والرقة.
تم الاتفاق على:
•اعتماد آليات تنسيق جديدة لمنع الصدام.
•بقاء قوات قسد في مواقعها الدفاعية مع رقابة دولية لمنع الاستفزازات من الفصائل التكفيرية.
•فتح ممرات إنسانية وتسهيل عودة المهجرين، ولا سيما من عفرين، كخطوة عملية لخفض التصعيد.

البعد الاقتصادي… سلامٌ بلا حصار

وفي خطوة لا تقل أهمية، ناقش الاجتماع الرؤية الاقتصادية، حيث جرى التأكيد على دور إقليم كوردستان بوابةً اقتصادية لروج آفا.
تم التفاهم على تسهيل التبادل التجاري عبر معبر فيش خابور/سيمالكا، بما يعزّز صمود الإدارة الذاتية اقتصاديًا، ويكسر سياسة الحصار، ويربط المنطقة بمشاريع دولية قادمة، لأن السلام الحقيقي لا يعيش في ظل الجوع والعزلة.

إعلان مبادئ ورسالة واضحة

الخلاصة السياسية لهذا اللقاء يمكن وصفها بأنها إعلان مبادئ كورد–أميركي جديد.
لقد حصل الجنرال مظلوم عبدي على غطاء بارزاني وضمان أميركي، ما عزّز موقع قوات سوريا الديمقراطية في مواجهة التهديدات، سواء من الجماعات المتطرفة أو من المشاريع الإقصائية الإقليمية.

الرسالة التي خرجت من بيرمام كانت واضحة وصارمة:
الكورد ليسوا طرفًا هامشيًا، وأي محاولة لتجاوزهم أو قضم حقوقهم ستُواجَه بجبهة موحّدة تمتد من أربيل إلى القامشلي، وبدعم دولي مباشر.

في زمن الاضطراب، يثبت مسعود بارزاني مرةً أخرى أنه ليس مجرد زعيم قومي، بل رجل دولة، يعرف كيف يحوّل الجغرافيا إلى جسر، والخلاف إلى حوار، والسلاح إلى خيار أخير.
لهذا، لم يعد وصفه بـمهندس السلام مجازًا صحفيًا، بل توصيفًا دقيقًا لدورٍ يتعاظم كلما ضاقت الخيارات.

عاشت كوردستان حرةً أبية

قد يعجبك ايضا