الحق في المعارضة.. المقومات والوسائل

الحق في المعارضة.. المقومات والوسائل

 

د. علاء الحسيني

 

تعد الحقوق السياسية من طليعة الحقوق التي يتفانى الفرد في سبيلها لاسيما أولئك الأحرار ممن يتمتعون بالقدرة على التأثير في الوسط الذي يعيشون فيه، ولهذا كفل الدستور العراقي شأنه في ذلك شأن أغلب الدساتير واللوائح والإعلانات والمواثيق الدولية الحقوق السياسية للشعب العراقي وورد في المادة (20) منه النص على ((للمواطنين، رجالاً ونساءً حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح )) .

ومن نافلة القول ان الحق في المعارضة يقف في مقدمة الحقوق السياسية فليس بالضرورة ان يصل الجميع إلى السلطة، إلا أن الحق مكفول للجميع في التأثير بالسلطة العامة، فالمعارضة من الناحية العضوية أو الشكلية تعرف بأنها مجموعات سياسية منظمة أو قوى وهيئات تعبر عن آراء وتطلعات ومصالح فئات مجتمعية محددة، ومن جوانبها الموضوعية هي نشاط سياسي هادف إلى التغيير الإيجابي، ويفترض أن يكون لها أهداف ومشاريع وخطط تتباين جزئياً عن أهداف وخطط السلطة الحاكمة أو القوى القابضة على السلطة السياسية، نعم هي قد لا تمتلك الأدوات والوسائل ذاتها التي تمتلكها الحكومة والقوى المهيمنة داخل البرلمان بيد أن لها ذاتيتها المستقلة، وتمتلك بالعادة خططاً وبرامج وإستراتيجية بديلة .

ما تقدم ليس بالضرورة ان يكون موجها إلى عرقلة عمل الحكومة والبرلمان بل هو يستهدف بالدرجة الأساس التقييم والتقويم، بعبارة أخرى هي تستهدف تعزيز الإيجابيات والبناء عليها ومحاصرة السلبيات والحد من تأثيراتها بالطرق والأساليب السلمية، وبمعنى أشد وضوحاً لا يمكن الحديث عن الحق بالمعارضة إذا لم تتمتع بالنضج الذي يمكنها ان تطرح نفسها كبديل عن السلطة الفعلية .

وبالوقت الذي يتم الطلب إلى الحكومة ان تلاحق التطورات وتساير التغيرات اليومية في الحياة العامة وتكون على قدر المسؤولية في الاستجابة لكل الحالات الاعتيادية أو الطارئة، فان المعارضة ينبغي لها ذات الأمر لتكون موضوعية في طرحها وواقعية في عملها، فالأهداف العامة للمعارضة هي التصويب في المسارات العامة للسلطات، لهذا يعد مبدأ مواكبة التغييرات معياراً حاسماً في التأسيس لمعارضة بناءة تطرح الحلول وتقدم البديل، لا أن تكون معارضة سلبية همها المعارضة والاختلاف فحسب مع الحكومة لأغراض سياسية ومنافع حزبية ضيقة، لهذا ينبغي لها ان تمتلك رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية قابلة للتطبيق أولاً، ومواكبة للظروف العامة في البلد والمنطقة والعالم، ويمكن تحديد أهم مقومات عمل المعارضة في العراق وغيره من الدول بأن :

1- تقويم عمل السلطات العامة (التنفيذية، التشريعية) بدراسة خططها وبرامجها، وتقصي قراراتها وأعمالها، ومحاولة تحليل طريقة أدائها، ومن ثم تقييم ما تقدم بشكل موضوعي بعيداً عن الغايات السياسية الضيقة، ولا يستقيم ما تقدم ان لم تفتح المعارضة سبل التواصل الفاعل مع الجمهور ليس مع جمهورها فحسب بل مع جماهير السلطة الحاكمة، وكلما كان الخطاب موضوعياً بعيداً عن الشخصنة والمناكفاتالفردية والغايات الحزبية كلما كان مؤثراً فبالنهاية الفرد يعدل في الكثير من الأحيان عن أرائه السياسية وقناعاته الشخصية ويسير باتجاه التصحيح عند وقوع الخطأ منه .

 

 

2- الرقابة على أداء الحكومات بمختلف مستوياتها الاتحادية والإقليمية والمحلية بما يجعلها تشعر بوجود الرقيب على أعمالها فيكون وسيلة ردع وتقويم والحيلولة دون الاستبداد بكل صوره ومستوياته صيانة للحقوق وصوناً للحريات .

3- تعزيز مبدأ المشروعية: فالمعارضة السياسية واحدة من أهم مقومات الحكم القائم على أساس الرشد الديمقراطي والحيلولة دون الركون إلى النزعات الديكتاتورية، أضف إلى ما تقدم أهمية المنهج المعارض في التأثير المباشر في المؤسسات العامة عبر الإسهام الحقيقي في صياغة القواعد القانونية في المؤسسة التشريعية وملاحقة تنفيذها من قبل الحكومة وتصويب الانحرافات التي ترافق عملية التنفيذ بالاستفادة من الآليات الديمقراطية، ومنها الحق في التقاضي .

4- الدفاع عن الحقوق والحريات العامة والخاصة: إذ تستهدف المعارضة بنشاطها كل تهديد من شأنه الحد من الحقوق أو الحريات أو تقييدها بلا مسوغ من القانون أو النظام العام، فعلى سبيل المثال ان الدستور العراقي للعام 2005 تضمن إشارة صريحة إلى ضمان الحريات بالنص في المادة (16) منه على أن ((لكل فرد الحق في الحياة والأمن والحرية، ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق أو تقييدها إلا وفقاً للقانون، وبناءً على قرار صادر من جهة قضائية مختصة))، بينما تشير المادة (46) إلى ((لا يكون تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور أو تحديدها إلا بقانون أو بناء عليه، على ألا يمس ذلك التحديد والتقييد جوهر الحق أو الحرية )) .

 

 

 

قد يعجبك ايضا