مهدي گلي
الحلم الڪوردي و حلم الأزرق
ليس ڪل حلم يولد في فراغ، ولا ڪل طموح يُصنف خيانة لمجرد أنه خرج من رحم الألم. فبعض الأحلام ڪتبت بدم أصحابها، ودفنت مع قوافل المهجرين، ونقشت على ذاڪرة شعوب لم يسمح لها يوماً أن تڪون “طبيعية”.
الحلم الڪوردي، مثل الحلم الأزرق، لم يڪن يوماً ترفاً سياسياً ولا نزوة أيديولوجية، بل ڪان رد فعل تاريخي على قرنٍ ڪامل من الذبح، والإنكار، والتهجير، والتقسيم القسري. ڪلا الحلمين ولدا من سؤال واحد: إلى متى نبقى بلا حماية؟
شعب بلا دولة… وذاڪرة بلا رحمة
الڪورد لم يطلبوا أڪثر من حق البقاء. لڪنهم ووجهوا دائما بمنتق الدول لا بمنتق الحدالة. قسّموا بين أربع دول، وجرى التعامل معهم ڪخطر داخلي، لا ڪمڪوّن أسيل. حرمت لغتهم، شوه تاريخهم، واستبيحت قراهم.
الأنفال، حلبجة، التهجير القسري، التغيير الديموغرافي… لم تڪن أحداثاً عابرة، بل سياسة ممنهجة لإلغاء شعب ڪامل من المعادلة.
في المقابل، لم ينتظر أصحاب الراية الزرقاء اعترافاً أخلاقياً من العالم، بل فرضوا واقعهم السياسي بالقوة والتنظيم والتحالفات. اختلفنا أو اتفقنا معهم، لڪنهم فهموا قاعدة السياسة الدولية: من لا يمتلڪ القوة، لا يمتلڪ الحق.
تقاطع الأحلام لا يعني تطابقها
حين يقال إن حلم الشعب الڪوردي اقترب من الحلم الإسرائيلي، لا يعني ذلك استنساخ تجربة أو تبرير سياسات، بل يعني أن الڪورد بدأوا يدرڪون حقيقة قاسية:
أن البقاء وسط شرق أوسط دموي يتطلب مشروعًا واضحًا، وتحالفات ذكية، وجرأة في ڪسر التابوهات.
الأزرق سعى إلى “أمنها القومي” بڪل الوسائل. والڪورد، بعد عقود من الذبح والخذلان، باتوا يبحثون عن الشيء نفسه: ألا يذبحوا مرة أخرى، ألا يهجّروا مرة أخرى، ألا يُستخدموا وقودًا لصراعات الآخرين.
الخلاص من دور الضحية الأبدية
نحن لا نريد دولة لنمارس الظلم، ولا ڪياناً لتهديد الجيران، بل نريد الخلاص من:
الذبح باسم الوحدة.
التهجير باسم السيادة.
القمع باسم الدستور.
الموت المؤجل باسم “المرحلة الانتقالية”.
نريد أن نتحرر من عقلية الضحية التي تنتظر شفقة العالم، وأن ننتقل إلى عقلية الفاعل الذي يفرض وجوده على الطاولة، لاتحتها.
السياسة لا تعترف بالنيات بل بالوقائع
من يهاجم الحلم الڪوردي اليوم، عليه أن يجيب بصدق:
أين ڪانت الدول “الشقيقة” عندما ڪنا نُباد؟
أين ڪانت المبادئ عندما ڪانت قرانا تُمحى من الخرائط؟
وأين ڪانت الأخلاق السياسية عندما أصبح الڪوردي لاجئاً في وطنه؟
الشرق الأوسط لا يڪافئ الأخلاقيين، بل يحترم الأقوياء. وهذه ليست دعوة للعنف، بل قراءة باردة لواقع دموي.
الخلاصة
الحلم الڪوردي ليس خطرًا على أحد، بل هو محاولة أخيرة للنجاة.
وإذا ڪان العالم قد اعتاد على قبول أمر واقع اسمه الرجل الأزرق، رغم ڪل الجدل، فعليه أن يفهم أن شعبًا ذُبح مرارًا لن يقبل أن يبقى بلا أفق.
نحن لا نبحث عن “مجرة ڪبرى”، بل عن ڪوردستان آمنة.
لا نبحث عن الهيمنة، بل عن الحياة.
ولا نريد أن نكون شوڪة في خاصرة أحد، بل أن نُنزَع أخيراً من سڪين التاريخ.