د.ابراهيم احمد سمو
منذ ساعات وأنا أحدّق في الصورة، أعود إليها مرة بعد أخرى، ثم أتراجع عن الكتابة. تارة أؤجّل بحجة أنه لا يجوز نشر مقالين في يوم واحد، ولا سيما في الشأن السياسي، وتارة أقول: غداً سأكتب. ثم أتردّد من جديد وأقول: ربما لا ينفع، فقد مرّ على الحدث يوم كامل. وبين هذا وذاك، مرت علينا أيام كتبنا فيها أكثر من مقال واحد، استجابةً لتسارع الأحداث وتشابكها، حتى بات من الصعب اللحاق بها.
فالأحداث لا تتوقف: يوم تأسيس يحتاج إلى توثيق، زيارة لأحد الأحباب، حرب تلوح على الأبواب، اجتماع لرئيس دولة، عيد ميلاد قريب، أو نجاح طالب في امتحان. جميعها مناسبات تستحق التذكير والأرشفة للتاريخ. ورغم ذلك، ارتأينا في كثير من الأحيان تجاهل مناسبات عديدة، لكن هذه المناسبة تحديداً لا يمكن تجاوزها، لما تحمله من وقع خاص ومعانٍ تتجاوز إطار الصورة العابرة.

الصورة التي نتحدث عنها تجمع السفير الأمريكي في تركيا، والممثل الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الملف السوري، والرجل الذي كان ولا يزال طرفاً فاعلاً في كثير من القرارات المفصلية، إلى جانب السيد مظلوم عبدي، وذلك في لقاء عُقد عند الرئيس مسعود بارزاني، وفي موقع له رمزيته السياسية والتاريخية. صورة واحدة، لكنها محمّلة بأكثر من معنى، وأكثر من رسالة.
هي، من جهة، جلسة نقاش وحوار للبحث عن حل يرضي مختلف الأطراف السورية، في مرحلة معقدة تتشابك فيها المصالح الدولية والإقليمية. وهي، من جهة أخرى، تسجيل تاريخي مشرّف للكورد عموماً، وللرئيس مسعود بارزاني على وجه الخصوص، لما يمثله من مدرسة سياسية ونهج متجذر في الحكمة والتجربة.
قد لا تكون كل تفاصيل ما دار في اللقاء قد وصلت إلينا، لكن البيانات الصادرة، والتصريحات اللاحقة، واللقاءات التي أعقبت ذلك عند رئيس إقليم كوردستان ، تحمل دلالات عميقة في فهم الدبلوماسية التي ينتهجها الرئيس بارزاني، ودوره المحوري في جمع المختلفين حول طاولة واحدة. إنها دبلوماسية هادئة، لكنها مؤثرة، تؤكد أن القضايا الكبيرة لا تُحل إلا على أيدي الكبار.
ونحن على يقين أن هذه المكانة لم تأتِ من فراغ. فلولا حكمة الرئيس مسعود بارزاني، وخبرته الممتدة لأكثر من عقود، ومرافقته الطويلة لمسيرة الثورات الكوردية ، لما كان لهذا اللقاء أن يتم بهذه الثقة وبهذا الوزن السياسي. مدرسة البارزاني ليست مجرد تاريخ نضالي، بل نهج عملي في القيادة، يجمع بين الثبات على الحقوق والمرونة في السياسة.

لقد قاد بارزاني الكورد في مراحل شديدة التعقيد: من الثورة، إلى الانتفاضة، إلى بناء البرلمان والحكومة، مروراً بسنوات صعبة من التحديات الداخلية والإقليمية، وصولاً إلى مرحلة الأمان النسبي والاستقرار. ولا يمكن إغفال دوره المحوري في تحطيم أسطورة تنظيم داعش، ذلك التنظيم الذي حاول أن يلطخ اسم الكورد، فإذا بالكورد، بفضل تضحياتهم وقيادتهم، يصبحون عنواناً للفخر والشجاعة في مواجهة الإرهاب.
اليوم، صار كل كوردي يفتخر بكورديته، لا من باب الشعارات، بل استناداً إلى تجربة واقعية، صنعتها التضحيات والسياسة الحكيمة معاً. ومن هنا، فإن هذه الصورة ليست مجرد لقاء بروتوكولي، بل هي اختزال لمسار طويل من التجربة، ورسالة واضحة بأن الحلول لا تزال ممكنة حين تتوافر الإرادة والخبرة.
كما قيل قديماً: (كل الطرق تؤدي إلى روما) ، يمكن القول اليوم إن كل الطرق، في القضايا المعقدة، تؤدي إلى مصدر التجربة والخبرة. وهنا، تتجه الأنظار إلى الرئيس مسعود بارزاني، باعتباره أحد أهم مفاتيح الحلول المرضية لجميع الأطراف، وضامناً حقيقياً لأن تكون حقوق الكورد مصانة، ضمن أي تسوية قادمة.
إنها صورة واحدة، لكنها تروي حكاية تاريخ، وتفتح باب أمل، وتؤكد أن السياسة حين تُدار بالحكمة، تتحول من صراع إلى فرصة، ومن أزمة إلى بداية جديدة