خفّضوا الامتيازات قبل أن تطلبوا التضحية

د. محمد صديق خوشناو

لفت انتباهي ما أُعلن مؤخرًا من قرارات لحكومة تصريف الأعمال تحت عنوان “ضبط التكاليف وتعظيم الإيرادات”. غير أن التدقيق في هذه الإجراءات يكشف أنها تعيد إنتاج الأسلوب ذاته في إدارة الأزمات: حلول شكلية تُقدَّم على أنها إصلاحات، ومعالجات هامشية تُسوَّق بوصفها إنقاذًا ماليًا.

المفارقة أن هذه القرارات تذهب مباشرة إلى الأسهل سياسيًا، لا إلى الأصح ماليًا؛ فتُختزل أزمة بنيوية عميقة في بيع سكراب أو تقييد إيفادات الطلبة، بينما تُترك مصادر الهدر الحقيقية خارج دائرة المساءلة، وفي مقدمتها الامتيازات العليا، وظاهرة استلام بعض المسؤولين والأفراد أكثر من راتب من المال العام في الوقت نفسه. وبدل أن تكون السياسة المالية أداة لإعادة التوازن، تتحول إلى عبء جديد يُلقى على كاهل المجتمع.

ليس من المنطق، ولا من العدالة، أن يُواجَه العجز المالي بإجراءات تمسّ التعليم والتنمية البشرية، وكأن المشكلة تُحلّ بتقليص الفرص لا بإصلاح السياسات. فالعجز لا ينشأ من الطلبة، ولا من محدودي الدخل، بل من سوء إدارة الإيرادات، وضعف الرقابة، واستمرار الهدر والفساد.

الإصلاح الحقيقي يبدأ من الأعلى: ضبط الإيرادات، إحكام السيطرة على المنافذ، ومكافحة الهدر بقرارات شجاعة. وفي هذا السياق، فإن المطلوب ليس المساس برواتب الرؤساء، بل تخفيض النثريات والمصاريف التشغيلية وامتيازات دوائر الرئاسات الثلاث والوزراء التنفيذيين، إلى جانب تقليص مخصصات الدرجات الخاصة، ووضع حدٍّ حاسم لظاهرة تعدد الرواتب والامتيازات غير المبررة.

حين تقدّم الدولة نموذجًا جادًا في ترشيد الإنفاق من القمة، يمكنها عندها أن تطلب من المجتمع التضحية. أمّا تحميل الطلبة والموظفين وذوي الدخل المحدود كلفة اختلال السياسات، مع الإبقاء على دوائر الإنفاق المفتوحة في مواقع القرار، فلن يعالج العجز، بل سيعمّق أزمة الثقة بين الدولة والمواطن.

قد يعجبك ايضا