الضربة الأمريكية -الإسرائيلية المرتقبة لإيران تركيا قلقة، و الكورد يترقبون !!

شريف علي

تتصاعد التوقعات في المشرق بشأن ضربة أمريكية–إسرائيلية محتملة تستهدف مواقع حساسة لإيران، في ظل تصاعد الاحتجاجات الجماهيرية داخل إيران ومناخ إقليمي متوتر تتشابك فيه مصالح القوى الكبرى والإقليمية. ورغم أن الضربة لم تقع بعد، فإن مجرد الحديث عنها أحدث ارتباكاً واسعاً، لأنها تأتي في لحظة حساسة تتقاطع فيها حسابات واشنطن وتل أبيب وطهران، وتنعكس مباشرة على أنقرة والقوى الكوردية وسائر دول الجوار.
ويزيد من غموض المشهد أن العملية المرتقبة ما تزال محاطة بتساؤلات حول توقيتها وأهدافها وحجمها المحتمل، خصوصاً بعد رصد تحركات عملياتية لافتة، ورفع مستوى التنسيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب إجراءات احترازية مشددة اتخذتها العديد من الدول تحسباً لأي تطور مفاجئ. هذا المناخ التحضيري دفع العواصم الإقليمية إلى رفع مستوى الحذر، خشية أن تكون الضربة بداية لمرحلة جديدة من التصعيد أو مدخلاً لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
وكما يحدث في كل ضربة في الشرق الأوسط، لا تبقى التداعيات محصورة في نطاق الهدف الإيراني، بل تمتد إلى الإقليم بأكمله. فالتغيير- حتى لو كان محدوداً- في ميزان القوى الميداني يفتح الباب أمام إعادة تموضع الفاعلين المحليين والدوليين. بعض القوى قد ترى في الضربة فرصة لتوسيع نفوذها أو تحسين موقعها التفاوضي، بينما تجد قوى أخرى نفسها أمام ضرورة إعادة حساباتها. كما أن أي فراغ أمني قد ينشأ عن الضربة يهدد الأمن الحدودي ويرفع احتمالات النزوح أو انتقال المقاتلين. وعلى المستوى الاقتصادي، قد يؤدي أي اضطراب في الإمدادات النفطية إلى ارتفاع الأسعار عالمياً، ما يزيد الضغوط على اقتصادات المنطقة التي تعاني أصلاً من تحديات مالية وتنموية.
بالنسبة لإسرائيل، فإن الضربة المرتقبة ليست مجرد خطوة تكتيكية، بل جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليص القدرات الإيرانية في المنطقة ومنع طهران من تعزيز حضورها العسكري قرب الحدود الإسرائيلية . إذ ترى تل أبيب أن أي تراجع في النفوذ الإيراني داخل سوريا أو العراق يشكل مكسباً مباشراً لأمنها القومي، ويمنحها هامشاً أكبر للتحرك دون الاصطدام بمنظومات صاروخية أو ميليشيات موالية لإيران .
إسرائيل تنظر إلى ردّ إيران المحتمل من زاويتين: الأولى أن طهران قد تلجأ إلى وكلائها في لبنان أو سوريا أو العراق او اليمن لتجنب مواجهة مباشرة، وهو سيناريو تعتبره تل أبيب قابلاً للاحتواء . أما الزاوية الثانية، وهي الأكثر حساسية، فتتمثل في احتمال ردّ مباشر من داخل الأراضي الإيرانية، ما قد يفتح الباب أمام مواجهة واسعة لا ترغب إسرائيل في الانجرار إليها حالياً. لذلك، تحرص تل أبيب على أن تكون الضربة – إن وقعت – دقيقة، محدودة، ومحمية سياسياً عبر التنسيق الكامل مع واشنطن.
في هذا السياق المتوتر، تبدو تركيا الأكثر قلقاً. فأنقرة تنظر إلى أي ضربة تستهدف إيران من زاوية أمنها القومي، وبخاصة ما يتعلق بالملف الكوردي. إذ تخشى أن يؤدي إضعاف النفوذ الإيراني إلى تعزيز مواقع القوى الكوردية، وعلى رأسها قوات سوريا الديمقراطية، بما يمنحها مساحة إضافية للمناورة أو توسيع مناطق السيطرة .
هذا القلق التركي يستند إلى تصور استراتيجي يرى في صعود الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا تهديداً مباشراً لوحدة الأراضي التركية، واحتمالاً لظهور كيان كوردي متصل جغرافياً على حدودها الجنوبية مع إقليم كوردستان الفيدرالي المعترف به دولياً في ظل إدارة تقود تجربة رائدفي المنطقة . كما تخشى أنقرة من أن تستغل واشنطن أو موسكو الضربة لإعادة ترتيب قواعد الاشتباك بطريقة تقلل من نفوذها في الملف السوري، أو تمنح القوى الكوردية وضعاً تفاوضياً أقوى في أي ترتيبات سياسية مقبلة.
في المقابل، تتابع القوى الكوردية التطورات بترقب محسوب. فهي تدرك أن التصدعات الداخلية في إيران قد تعقّد قدرتها على الصمود أمام ضربة محتملة، وهو ما يثير نقاشاً حول احتمالات تفكك أو إعادة تشكل الدولة، لكنها تبقى احتمالات لا مسارات مؤكدة ،وهذا ما يفتح أمامها فرصاً لتعزيز مواقعها أو تحسين شروطها التفاوضية، لكنه قد يحمل أيضاً مخاطر ترتيبات إقليمية جديدة تُستخدم لتقليص نفوذها أو إعادة توزيع السيطرة بما يخدم مصالح دول الجوار، وعلى رأسها تركيا . كما أن التباينات الداخلية بين القوى الكوردية نفسها تجعل من كل تطور ميداني عاملاً يعيد فتح النقاش حول أولويات الأمن وشكل الإدارة والعلاقة مع القوى الدولية.
أما دول الجوار الأخرى، فتتعامل مع الضربة المرتقبة بوصفها مؤشراً على إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة . فهي تراقب تأثيرها المحتمل على خطوط التجارة والطاقة، وعلى احتمالات التصعيد أو التهدئة، وعلى قدرة القوى الكبرى على ضبط إيقاع التوتر بين واشنطن وطهران. كما تخشى بعض الدول من أن تؤدي الضربة إلى موجات نزوح جديدة، أو إلى نشاط متزايد للجماعات المسلحة التي قد تستغل الفوضى الأمنية . وتبقى السيناريوهات المستقبلية مفتوحة على مسارات رئيسية ،إما إحتواء محدود للتداعيات، بحيث تبقى الضربة-إن وقعت-ضمن إطارها التكتيكي. أوإعادة تموضع إقليمي تقدم فيه القوى الكوردية على سد الفراغات الأمنية لتعزيز مواقعها، حيث ترى أنقرة-وفق تقديراتها الأمنية-أن صعود القوى الكوردية في الجوار قد يشكل نموذجاً ملهماً لكورد تركيا، ما يجعلها أكثر ميلاً إلى اتخاذ خطوات استباقية لاحتواء هذا السيناريو.
على ضوء التغيرات والصراعات على المستوى الدولي يبقى المسار الأقرب ، هو تفاهمات كبرى تعيد رسم خريطة المنطقة برمتها، وربما تتجاوز حدود سايكس–بيكو، وهو سيناريو يحمل فرصاً للكورد ومخاطر على إيران وسوريا والعراق وتركيا على حد سواء.
في النهاية، تبدو المنطقة مقبلة على لحظة مفصلية قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات، لكن ما سيحسم اتجاه الأحداث ليس حجم الضربة ولا توقيتها، بل قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على إدارة ما بعدها . وبين قلق تركيا وترقب الكورد وحسابات إسرائيل وردّ إيران، يقف الشرق الأوسط أمام مفترق طرق قد يفتح الباب إما لمرحلة جديدة من الصراع، أو لفرصة نادرة لإعادة صياغة التوازنات على أسس مختلفة .

قد يعجبك ايضا