تزرين يعقوب سولا
في ثمانينيات القرن الماضي، أتذكر جيدًا أيام الابتدائية؛ في مدرستنا بيترمة في شقلاوة ، كان لنا وجبات مدرسية ،
من البيض المسلوق، وجبنة المثلثات، والحليب، وحتى وجبات الحمص والفاكهة، جزءًا من يومنا الدراسي. لم تكن رفاهية، بل حقًا بسيطًا اسمه رعاية المتعلمين.
كنا نغادر المدرسة بحيويةٍ وعنفوان،
نركض في الطرقات والساحات حتى الغروب،
لا نعرف التعب، ولا نشكو الإرهاق،
كأن أجسادنا كانت مشحونة بالحياة.
أما أطفال اليوم،
فيجلسون في الحصص الأخيرة مثقلين،
عيون مرهقة، أكتاف منحنية،
وتركيز يتلاشى قبل أن يرنّ الجرس الأخير.
اختفت تلك الوجبات، وحلّ مكانها ما يُباع في حوانيت المدارس:
معلبات ملوّنة، جلاتين، “جبس”، وسكريات لا تغذّي بقدر ما تُرهق صحة الأطفال. أطعمة سريعة، رخيصة، لكنها باهظة الثمن على المدى البعيد.
ما يُعرض اليوم في حوانيت المدارس هو سموم بكل معنى الكلمة،
مغلّفة بألوان جذابة، ومسمّاة زورًا “وجبات”.
يأكلها الطفل على أنها مكافأة،
وهي في الحقيقة خصمٌ مباشر من صحته ونموّه….
في الصباحات الباكرة ، نرى
طوابير الاطفال أمام الحانوت المدرسي.
لنسأل بصراحة: ماذا يشترون؟
وهل هذا هو فطورهم؟
ما شعور الآباء والأمهات وهم يعطون أبناءهم نقودًا على أمل أن يتغذّوا في المدرسة؟
وأي تغذية هذه؟
سكريات، ملوّنات، ومواد لا تُشبع جسدًا ولا عقلًا.
المدرسة يفترض أن تكون مكان أمان،
لكن حين يصبح الفطور المدرسي خطرًا صحيًا،
فنحن لا نهمل تفاصيل صغيرة،
بل نغامر بصحة جيل كامل.
متى سنصحو من هذا السبات؟
ومتى سننقذ أجيالًا قادمة من الضياع البطيء؟
أجيال لا تُهمل بالقرارات فقط،
بل بالصمت، وبالتعوّد على الخطأ وكأنه أمر طبيعي.
المدرسة ليست جدرانًا وكتبًا فحسب،
بل بيئة تصنع الإنسان.
وإن فسد ما يدخل أجساد أطفالنا،
فكيف ننتظر سلامة ما يخرج إلى المجتمع؟