حين ترسم الجبال ما تمحوه الخرائط

أحمد زبير باني

في تلك اللحظة التي كانت تحلّق فيها مروحية بول بريمر فوق العراق، لم يكن الرجل ينتقل بين إحداثيات جغرافية فحسب، بل كان يعبر برزخًا بين عالمين. خلفه، كانت العاصفة الترابية تثور كأنها احتجاج الأرض على «ترتيبات» البشر، وأمامه كان الثلج يفرش بياضه فوق قمم كوردستان، كأنه إعلان سيادة سماوي لم توقّعه يد دبلوماسي.

فلسفة العاصفة والثلج
حين قال بريمر، متعجبًا، إن الطائرة كادت تسقط بفعل العاصفة الترابية لولا أن جبل حمرين صار فاصلاً بين الفوضى والبياض، لم يكن يدرك أنه لمس جوهر المسألة العراقية. فالعاصفة ليست مجرد ظاهرة طبيعية، بل استعارة للاضطراب والالتباس، ولعالمٍ بلا ملامح. أما الثلج، فهو الوضوح؛ هو السكون الذي يفرضه الجبل عندما يقرّر أن يحمي ذاته.

هنا اصطدم العقل البيروقراطي القادم من وراء البحار—الذي يرى الحدود خطوطًا ملوّنة على ورق—بحدود أعمق، رسمتها الطبيعة قبل أن تُرسم الخرائط، وثبّتها الجغرافيا قبل أن تُقرّها الاتفاقيات.

جواب الجبل: حين ينطق التاريخ
جاء ردّ الرئيس مسعود بارزاني: «إن الله وضع هذه الحدود، وأنتم لا تقبلون بها»، لا بوصفه سجالًا سياسيًا عابرًا، بل كاختزال لفلسفة كاملة في فهم المكان. لم يكن الرد دفاعًا عن كيان سياسي فحسب، بل تأكيدًا على مشروعية أسبق من السياسة ذاتها: مشروعية الطبيعة والتاريخ.

فالحدود، في هذا الفهم، ليست نتاج غرف مغلقة، بل حصيلة تراكم طويل بين الجبل والإنسان. الجبل ليس كتلة صخرية صامتة، بل ذاكرة واقفة، وحارسًا للغة والثقافة، وسدًّا أنطولوجيًا في وجه الذوبان.

إنكار الغرباء
تكمن المأساة في أن الغريب، حين يأتي، يحاول دائمًا تسطيح العالم: يجعل القمة مساوية للوادي، والعاصفة مكافئة للثلج. هكذا تفعل الخرائط حين تُرسم بعين لا ترى سوى المصالح. لكنها تعمى عن حقيقة أن الطبيعة لا تعترف بالتماثل، وأن لكل مكان خصوصيته التي لا تُختصر بخط مستقيم.

جبل حمرين لم يكن يومًا تلة عابرة في دفتر جغرافي، بل كان بوابة زمنية تفصل بين سرديتين، ومصيرين، ورؤيتين للوجود.

حمرين: البرزخ الحي
عند حمرين، تنتهي فوضى الغبار وتبدأ طهارة البياض. إنه الحد الذي لا يُجتاز دون المرور بالذاكرة. هناك، تصبح الجغرافيا لغة، ويغدو الجبل شاهدًا على أن العبث بالحدود الطبيعية هو عبث بالنظام العميق الذي يحكم المكان والإنسان معًا.

خلاصة
رأى بريمر المعجزة بعينيه، لكنه ظل أسير الخريطة. فالخرائط قد تُمحى وتُعدّل، أما الجبال فتبقى. للثلج وطن، وللجبل سيادة، وللحدود التي ترسمها الطبيعة قداسة لا تستطيع السياسة—مهما طال زمنها—أن تلغيها

قد يعجبك ايضا