المحامي والصحفي عرفان الداوودي
في أكثر مراحل التاريخ الكوردي قسوة، حين كان القائد الخالد ملا مصطفى البارزاني يخوض معركة الوجود بوجه نظام صدام حسين، لم يكن الخطر محصورًا بالعدو الظاهر فقط، بل كان هناك خطر أشد إيلامًا:
خطر أولئك الذين انتموا بالهوية، وخانوا بالقضية.
هؤلاء عُرفوا في الذاكرة الشعبية باسم (دحشكيّة صدام)، أولئك الذين عملوا جواسيس وأدوات بيد النظام، وساهموا – عن وعي أو خوف أو مصلحة – في ضرب الحركة التحررية الكوردية من الداخل.
وفي لحظةٍ مفصلية، سأل أحد قادة البيشمركة القائد الخالد سؤالًا يعكس منطق الحرب القاسي:
لماذا لا نقتلهم؟ وهم أكراد خونة وجواسيس؟
كان السؤال منطقيًا بمعايير السلاح،
لكن جواب ملا مصطفى كان أعمق من منطق الرصاص.
ضحك القائد، وقال كلمته التي اختصرت فلسفة وطن:
إذا كان صدام يقتل الأكراد الشرفاء لأنهم يدافعون عن وطنهم، ونحن نقتل الأكراد الذين خانوا قضيتهم، فلن يبقى كوردي واحد على وجه الأرض. سيأتي يوم يدركون أنهم كورد مثلنا، وسيكون لهم دور في بناء الوطن.
لم يكن هذا تبريرًا للخيانة،
ولا عفوًا مجانيًا عن العمالة،
بل رهانًا على الزمن، والوعي، والهوية العميقة.
وبالفعل، أثبتت الأيام صحة هذه الرؤية.
كثيرون ممن وُصفوا يومًا بـ(الدحشكيّة) عادوا إلى صفوف شعبهم، وأصبحوا اليوم مسؤولين وسياسيين وإداريين، يشاركون – بدرجات متفاوتة – في بناء الإقليم وإعماره.
الدرس هنا ليس تمجيد الخطأ،
بل فهم أن قوة الكورد لم تكن يومًا في تصفية أبنائهم،
وإنما في قدرتهم على تحويل الانقسام إلى وعي، والخصومة إلى مسؤولية، والضياع إلى انتماء.
ولهذا، فإن أخاك الكوردي – مهما أخطأ، أو صفّق للباطل، أو انخدع بالدعاية –
ليس عدوك الأول.
عدوك الحقيقي هو من يريد محوك من الخريطة، ومسح لغتك، وكسر هويتك، وسلب كرامتك.
إن الأمم التي تنتحر داخليًا لا تنتصر،
والشعوب التي تأكل أبناءها لا تبقى،
أما الكورد فبقوا لأنهم فهموا أن الوحدة لا تعني التطابق، وأن الخلاف لا يبرر الفناء.
ختامًا،
نسأل الله أن يحفظ الكورد أينما كانوا،
وأن يحفظ أرضهم ووحدتهم،
وأن ينصر البيشمركة ومقاتلي قسد،
وأن يثبت أقدامهم، ويحقن دماءهم،
ويجعل نيتهم خالصة للدفاع عن أهلهم وكرامتهم.
اللهم اكتب لهم الأمن والسلام،
وأبعد عنهم الفتن والظلم،
إنك على كل شيء قدير