هيام حاجي احمد: باحثة في الشؤون السياسية الكوردية، ومتخصصة في التاريخ الحديث و المعاصر
إن الهدف الأساسي من وراء تسويق مصطلح “الحقوق المحفوظة” منذ عام 1914 وحتى اليوم، ليس منح الشعب الكوردي حريته، بل هو “فخ احتواء” لإبقائه ضمن دائرة التبعية، فالوعود الكاذبة التي تُبذل اليوم في حلب هي تجارة خاسرة دفعنا ثمنها قرناً من الظلم. وتتجلى هذه الخديعة في أوضح صورها عبر محاولات “الغسيل الإعلامي” لتبييض تاريخ المدعو “أحمد الشرع” ومرتزقته، الذين يبيعون وعوداً جوفاء بينما تمارس أيديهم في حلب أبشع أنواع التصفية الجسدية بقطع الرؤوس ورمي الأجساد بأسلوب يطابق نهج داعش. إن تحرك هؤلاء المرتزقة في الشمال السوري هو تنفيذ مباشر لمخطط أنقرة الرامي لاتخاذ حلب جسراً لإحياء إرث عثماني بائد، حيث تستخدم تركيا غطاء “الثورة” كذريعة استعمارية لقضم الأرض وتغيير ديموغرافيتها، والهدف النهائي هو ضرب الوجود الكوردي في مقتله وتدمير أي تطلع قومي مشروع.
إن هذه الوعود المسمومة تُستخدم كغطاء لمخطط إقليمي أوسع تتقاسمه أنقرة وطهران ودمشق و بغداد لتصفية الوجود الكوردي، فبينما يغرق النظام الإيراني كوردستان الشرقية بدماء الإعدامات الممنهجة والمقصلة السياسية لتغييب شعب كامل رغم وعودهم التاريخية الكاذبة، تستخدم تركيا “الخطة ” في سوريا عبر مرتزقتها بعد أن استنفدت خديعة “مفاوضات السلام” مع حزب العمال الكوردستاني (PKK) لتجريد الكورد من عناصر قوتهم. إن الهدف هو عزل كل جزء كوردستاني وتدميره، حيث تُباع سيادة الأوطان في الجولان والجنوب السوري لتأمين مصالح القوى الكبرى، بينما يصب “الشرع” وأسياده كامل حقدهم على الكورد في الشمال، في مفارقة مخزية تكشف أن “الخليفة” الجديد يفرط في الأرض لمن يدعي عداءهم، في وقت ترفرف فيه أعلام إسرائيل والقوى الدولية في جولان وقنيطرة الجنوب السوري دون أن يجرؤ هؤلاء المرتزقة على رفع أعينهم نحوها، بل يستأسدون فقط على شركائهم في الوطن بسلب حقوقهم كما فعل نظام البعث لعقود. ولو كان هناك نموذج واحد لهذه “الحقوق المحفوظة” مطبقاً بإنصاف في أي من هذه الدول الأربع (تركيا، العراق، إيران، سوريا) لقلنا إن هناك بارقة أمل، ولكن المثير للسخرية أن هذه الدول الأربع تدعي الإسلام الذي من المفترض أن ينشر العدالة والمساواة بدل الظلم كما أوصى القرآن الكريم، لكنها مارست ضد الكورد أقصى درجات الإقصاء والدموية.
وما تجربة العراق عام 2005 إلا برهان ساطع على أن النصوص لا تحمي الشعوب، فقد تحولت الحقوق الدستورية هناك إلى أداة لضرب كيان الإقليم ومحاصرته بمجرد شعور بغداد بالقوة، وهو ما يؤكد أن أي حق لا يحميه قرار سيادي مستقل هو حق مؤجل المصادرة. ولعل الموقف المشرف لـ “قناة شمس الكوردية” هو أسطع دليل على وعي إعلامنا، حيث رفضت القناة نشر المقابلة التي سعى من خلالها “أحمد الشرع” لبث سمومه، وقطعت الطريق على محاولته استخدام منصة كوردية لزراعة بذور التفرقة والصراعات بين أبناء الشعب الكوردي في أجزائه الأربعة. لقد أدرك الإعلام الكوردي بذكائه وفطنته أن تلك الوعود بالاعتراف باللغة أو ممارسة العادات والتقاليد هي مجرد “أصفاد ناعمة” تهدف لإبقاء الكوردي أسيراً لهواهم وقرارهم، وأن قبول هذه الوعود المسمومة هو انتحار للهوية والوجود.
إن الحق الذي لا تحميه القوة هو استجداء، والسيادة التي تنتظر اعترافاً من الجلاد هي عبودية مقنعة. لقد انتهى زمن المراهنة على “خطوط إقليمية” أو وعود “إخوة” يغدرون بنا عند كل منعطف تاريخي. إن الضمانة الوحيدة لوجودنا ليست في دساتيرهم الممزقة ولا في وعود “شرعهم” المأجور، بل في انتزاع السيادة الكاملة على الأرض والقرار. لا كرامة لكوردي يظل مصيره معلقاً بقرار يخرج من أنقرة أو دمشق أو طهران او العراق فإما سيادة تفرض احترامها على الجميع، أو سنظل ندفع ثمن “الحقوق المحفوظة” من دماء أبنائنا وأرض أجدادنا. الحقوق تُؤخذ بقوة الوجود، والسيادة هي الحصن الوحيد الذي يمنع الغزاة من تحويل حلمنا القومي إلى ركام تحت أقدام الأوهام العثمانية الجديدة.