محمد سليم المزوري
يُعد الغزو الروسي لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022 من أخطر الأزمات الدولية في مطلع القرن الحادي والعشرين، لما انطوى عليه من خرق واضح لقواعد القانون الدولي العام، وتهديد مباشر لمبادئ النظام الدولي المعاصر القائم على احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها. وقد أثار هذا النزاع نقاشاً قانونياً واسعاً حول مدى مشروعية استخدام القوة، وحدود حق الدفاع الشرعي، ومسؤولية الدول عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.
أولاً: مبدأ حظر استخدام القوة في القانون الدولي.
يُعد مبدأ حظر استخدام القوة من المبادئ الأساسية في القانون الدولي المعاصر، وقد كُرس هذا المبدأ في المادة الثانية الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر على الدول استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. ويُعد هذا المبدأ حجر الزاوية في النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ويهدف إلى منع تكرار مآسي الحروب الواسعة.
إن التدخل العسكري الروسي في الأراضي الأوكرانية يمثل، من حيث الأصل، خرقاً مباشراً لهذا المبدأ، إذ تم استخدام القوة المسلحة ضد دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة دون تفويض من مجلس الأمن، ودون وجود حالة واضحة من حالات الاستثناء المعترف بها قانوناً.
ثانياً: الاستثناءات الواردة على مبدأ حظر استخدام القوة يعترف القانون الدولي باستثناءين رئيسيين على مبدأ حظر استخدام القوة، هما: الدفاع الشرعي الفردي أو الجماعي، واستخدام القوة بناءً على تفويض من مجلس الأمن الدولي.
1- الدفاع الشرعي: تنص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة على حق الدول في الدفاع عن نفسها إذا وقع هجوم مسلح ضدها. وقد حاولت روسيا تبرير تدخلها العسكري في أوكرانيا استناداً إلى مفهوم الدفاع الشرعي، بحجة حماية أمنها القومي، والدفاع عن سكان مناطق دونيتسك ولوغانسك. إلا أن هذا التبرير يثير إشكاليات قانونية عميقة، إذ يشترط القانون الدولي لقيام الدفاع الشرعي وقوع هجوم مسلح فعلي ومباشر، وهو ما لم يثبت بشكل قاطع في الحالة الأوكرانية.
2- تفويض مجلس الأمن:
لم يصدر عن مجلس الأمن أي قرار يجيز استخدام القوة ضد أوكرانيا، بل على العكس، عجز المجلس عن اتخاذ قرارات ملزمة بسبب استخدام روسيا حق النقض (الفيتو). وبذلك ينتفي هذا الاستثناء تماماً في الحالة محل البحث.
ثالثاً: مبدأ سيادة الدولة وسلامة أراضيها يُعد احترام سيادة الدولة وسلامة أراضيها من المبادئ الأساسية للقانون الدولي، وقد أكدت عليه العديد من المواثيق الدولية، وعلى رأسها ميثاق الأمم المتحدة. ويشكل الغزو الروسي انتهاكاً صريحاً لهذا المبدأ، خاصة مع الاعتراف الروسي بضم بعض الأقاليم الأوكرانية، وهو ما يُعد عملاً غير مشروع دولياً وفقاً لقواعد القانون الدولي العرفي والاتفاقي.
رابعاً: الغزو الروسي والقانون الدولي الإنساني أدى النزاع المسلح في أوكرانيا إلى سقوط آلاف الضحايا من المدنيين، وتدمير واسع للبنية التحتية، مما يثير مسألة تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية. وتلزم هذه القواعد أطراف النزاع باحترام مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب في استخدام القوة.
وقد وُجهت اتهامات متعددة للقوات الروسية بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، مثل استهداف المناطق السكنية، والبنية التحتية المدنية، واستخدام أسلحة ذات آثار عشوائية. وفي حال ثبوت هذه الانتهاكات، فإنها قد ترقى إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة الجنائية الدولية.
خامساً: المسؤولية الدولية عن الأفعال غير المشروعة يترتب على خرق قواعد القانون الدولي قيام المسؤولية الدولية للدولة المعتدية، وفقاً لمشروع مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً. وتشمل هذه المسؤولية التزام الدولة المخالفة بوقف الفعل غير المشروع، وعدم تكراره، وجبر الضرر، سواء كان ذلك بالتعويض أو بإعادة الحال إلى ما كان عليه.
وفي هذا الإطار، تثار مسألة مسؤولية روسيا عن الأضرار التي لحقت بأوكرانيا، سواء على المستوى المادي أو البشري، فضلاً عن مسؤولية الأفراد عن الجرائم الدولية التي قد تكون ارتُكبت أثناء النزاع.
سادساً: دور المنظمات الدولية والقضاء الدولي لعبت المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، دوراً مهماً في إدانة الغزو الروسي، من خلال قرارات الجمعية العامة التي أكدت عدم مشروعية استخدام القوة، وطالبت باحترام سيادة أوكرانيا. كما أُحيلت بعض القضايا المتعلقة بالنزاع إلى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، في إطار السعي إلى تحقيق المساءلة القانونية.
سابعاً: الآثار القانونية والسياسية للغزو الروسي لم يقتصر أثر الغزو الروسي لأوكرانيا على الجانب العسكري فحسب، بل امتد ليشمل النظام القانوني الدولي برمته، إذ أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول فعالية قواعد القانون الدولي، وقدرة المجتمع الدولي على فرض احترامها. كما أبرز النزاع حدود دور مجلس الأمن في ظل الانقسامات السياسية بين الدول الكبرى.
خاتمة:
في ضوء ما تقدم، يتضح أن الغزو الروسي لأوكرانيا يشكل، وفقاً لقواعد القانون الدولي، عملاً غير مشروع ينطوي على انتهاك جسيم لمبدأ حظر استخدام القوة، وسيادة الدولة، وقواعد القانون الدولي الإنساني. ويؤكد هذا النزاع الحاجة الملحة إلى تعزيز آليات إنفاذ القانون الدولي، وضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات الجسيمة من المساءلة، حفاظاً على السلم والأمن الدوليين.