د اميمة منير جادو
باحث اكاديمي- عضو اتحاد الكتاب
ملخص الدراسة:
تتناول هذه الدراسة قصة “واجب عزاء” للكاتب جلال الصياد، بالتحليل البنيوي والموضوعي، لاستكشاف كيفية توظيف الكاتب لطقس اجتماعي جنائزي (العزاء) كستار لتمرير قضية تربوية وأخلاقية. تركز الدراسة على الصراع بين “التمرد الطفولي” و”الوعي المتأخر”، وكيف تحولت “اللطمة” من فعل عنيف إلى “فعل إنقاذ” سيميائي.
تخلص الدراسة إلى أن النص يحمل مقومات القصة القصيرة الواقعية ذات النزعة الوعظية المبطنة.
*أولاً: عتبة العنوان ودلالة الطقس:
اختار الكاتب عنواناً خادعاً بذكاء وهو “واجب عزاء”؛ فبينما يتوقع القارئ سرداً لمراسم الموت والحزن، نجد أن “العزاء” الحقيقي في القصة ليس للمرأة المتوفاة، بل هو عزاء في “صحة” و”مستقبل” الشباب الذين يسلكون طريق التدخين. العزاء هنا هو إطار مكاني وزماني فقط، انطلق منه الكاتب ليعري واقعاً سلوكياً.
*ثانياً: البناء الدرامي والتحول من الجمعي إلى الفردي
تبدأ القصة بحدث جمعي (صوت النجاب، الذهاب للجنازة)، وهو ما يسمى في النقد بـ”المقدمة التمهيدية” التي ترسم ملامح القرية.
* الاستشهاد النصي: “يطلقون عليه النجاب… يركب حمارته العرجاء”. هذا الوصف يضفي واقعية سحرية على النص ويجعل من الموت حدثاً رتيباً في القرية.
لكن سرعان ما يتحول المسار من “الهم العام” (الموت) إلى “الهم الخاص” (مستقبل الأصدقاء الثلاثة) عند العودة من طريق المصرف.
*ثالثاً: رمزية المكان (طريق المصرف والجبانة)
اختار الكاتب طريق العودة ليكون “طريق المصرف” بجوار “الجبانة”. هذا المكان الموحش يمثل لحظة “الاختبار الأخلاقي”.
* التحليل: في حضرة الموت (الجبانة)، يمارس الشباب فعل “التدخين” الذي هو موت بطيء. هنا تبرز المفارقة (Irony) التي استخدمها جلال الصياد ببراعة؛ حيث يتم انتهاك حرمة المكان بهشاشة السلوك.
*رابعاً: التحليل الشخصي وسيكولوجية “اللطمة”
تعد شخصية “الأخ الأكبر” هي الشخصية المحورية (The Catalyst) التي قلبت موازين النص. الابتسامة التي سبقت اللطمة كانت فخاً سردياً لزيادة تأثير الصدمة.
* الاستشهاد النصي: “فوجئ بلطمة قوية على وجهه من كفه الضخم العريض بحجم المطرحة”.
* النقد الموضوعي: اللطمة هنا لم تكن فعل “تنمر”، بل كانت “صحوة”. الكاتب استخدم تشبيه “المطرحة” (وهي أداة خبز وعيش) ليوحي بأن هذه اللطمة هي التي ستعيد “عجن” شخصية سعد وتشكيل وعيه من جديد.
*خامساً: البعد القيمي والاعتراف
ينتقل النص في نهايته من المستوى القصصي إلى المستوى “التعليمي/ الأخلاقي” عبر مونولوج الأخ الأكبر.
* الاستشهاد النصي: “لو أني وجدت أحداً رآني وأنا في سنك… ولطمني بحذائه… كان الأفضل لي”.
هذا الاعتراف يمنح النص عمقاً إنسانياً، حيث يتحول الجاني (الضارب) إلى ضحية (للمرض)، والمجني عليه (المضروب) إلى مستفيد.
*سادساً: التقييم الفني (هل تصلح كقصة قصيرة؟)
بناءً على المعايير النقدية، فإننا نجد في نص “واجب عزاء”:
* الوحدة: متوفرة، فالقصة تدور حول حدث واحد (رحلة العزاء والعودة) وفكرة واحدة (خطر التدخين والمسؤولية).
* التكثيف: نجح الكاتب في تكثيف المشاهد، وإن كان السرد في البداية مال قليلاً للوصف التقريري، إلا أن قفلة القصة (The Twist) كانت قوية ومفاجئة.
* اللغة: لغة بسيطة وسلسة تناسب البيئة القروية، واستخدام مفردات بيئية مثل (المدق، النجاب، المطرحة) أعطى النص هوية بصرية واضحة.
*الخلاصة:
نرى ان النص يصلح بامتياز كقصة قصيرة من الأدب الواقعي الاجتماعي. لقد استطاع جلال الصياد أن يحول “سيجارة” إلى قضية وجودية، وأن يجعل من “لطمة وجه” درساً في الانتماء والخوف على الآخر.
*توصية نقدية:
كان يمكن للكاتب تعميق الصراع الداخلي لدى “سعد” أكثر قبل قبول السيجارة، ليزيد من توتر اللحظة، لكن البناء الختامي والمجلس العرفي أعطى للقصة نهاية “مطمئنة” تليق بأدب القرية وقيمها.
—
ملحق القصة
قصة قصيرة
“واجب عزاء ”
بقلم: جلال الصياد
يجلس الشباب الثلاثة ” شادي” و” سيد” و” سعد” ، جميعهم في الصفوف التعليمية الثانوية أمام دار أحدهم يتبادلون أطراف الحديث.
فجأة … قطع حديثهم صوت جهوري للرجل الذي يجلب لهم دائمًا الأخبار الحزينة.
يطلقون عليه “النجاب”.
يركب حمارته العرجاء ويسحبها له طفل، ويسير خلفه العديد من أطفال القرية والقرى المجاورة، يعلن خبر وفاة إحدى السيدات من قرية مجاورة.
وفى لحظة واحدة قال الجميع ( خير اللهم اجعله خير )
خيم الصمت برهة من الوقت ….
انتبه الجميع …لاسم المتوفاة؛
إنها احدى السيدات من الأقارب وتقيم فى قرية مجاورة ، ويجب المشاركة في إنهاء إجراءات الدفن وتشييع الجنازة.
أسرعوا ومعهم العديد من أهالى القرية.
ولكى يصلوا بسرعة، سلكو طريق المدق الزراعي الأقرب للوصول لتلك القرية رغم وعورته.
وعندما وصلوا إلى القرية، اشترى “شادي” علبة سجائر ” ومشط ” كبريت لتحية المشاركين في واجب العزاء.
بعد الانتهاء من مراسم الدفن .
عاد الجميع أمام دار المتوفاة، يستمعون لبعض الآيات من الذكر الحكيم.
قام” شادي” و”سيد” بالمرور بين الصفوف أكثر من مرة، يقدمون لهم السجائر.
انفض السرادق وهم الجميع بالانصراف ..
وقف الثلاثة يفكرون في طريق العودة، يتسألون فيما بينهم ؟.
هل يعودون من الطريق الذي آتوا منه ؟ أم من طريق المصرف الزراعي، الذي به “الجبانة” ويخشاه الكثير من الناس؟.
اتفقوا في النهاية على العودة من طريق المصرف.
وأثناء السير.. أخرج شادي ما تبقى ما معه من السجائر، ثم اقترب من”سيد” قائلًا: هذه السجائر أصبحت بلا قيمة، ولا يمكن إرجاعها إلى البائع، هيا بنا ندخنها، أصيب “سعد” بالدهشة وانفعل عليهما، وحاول أخذها منه بالقوة والقائها في المصرف، منعاه وانفجرا في وصلة ضحك.
نظر شادي الى سيد” قائلًا: هل “سعد” لم يعرف أمرنا.
اننا ندخن منذ الصف الثالث الأعدادي، واستمرا في الضحك ، أخذ كل من شادي وسيد سيجارة، واشعلاها.
قال “شادي” لسعد”: ولماذا لا تدخن مثلنا؟ اعترض ” سعد” في بادئ الأمر بشدة ، ولكن مع إلحاحهما ولوعلى سبيل التجربة، مد “سعد” يده وتناول سيجارة، وأشعلها له ” سيد” ، ظلا يراقباه مع أول نفس، احمرت عيناه وشعر باختناق وعجز عن التنفس. حاولا استفزازه .. قائلين له : أنت في بداية مرحلة الرجولة .
تعددت الأنفاس.. حتى أصبحت السيجارة في المنتصف.
اقتربوا من الكوبري الذي يربط بين القريتين .
أبصروا الأخ الأكبر لشادي يقف ينتظرهم هناك.
أسرع “شادي” و” سيد” للتخلص من السجائر بالقائها على الأرض.
استقبلهم الأخ الأكبر بابتسامته المعهودة، ممسكًا سيجارته في يده اليمنى ،ثم نقلها إلى اليسرى، وسلم على “شادي” و”سيد” دون توجيه أي كلمة لهما.
ومازالت الابتسامة تعلو وجهه.
اقترب منه سعد ليسلم عليه مثلهما ، لكنه فوجئ بلطمة قوية على وجهه من كفه الضخم العريض بحجم” المطرحة “التي تستخدم في إعداد الطعام.
كادت أن تفرغ فمه من الأسنان.
وتحول الوجه الأبيض للأخ الأكبر لشادى من الابتسام والبشاشة إلى حمرة تشبه جمرة النار، وعيناه تطلقان الشرار، قائلًا: يا “سعد” سامحني على فعلتي معك، سوف تعرف قيمة ذلك فيما بعد.
وأكمل حديثه : لو أني وجدت أحدًا رأني وأنا في سنك أمسك سيجارة ولطمني على خدي بحذائه ليمنعني من التدخين، كان الأفضل لي مما أنا فيه، الآن …
لا يغرك منظري هذا لأن الحقيقة مُرة .. جسمي مصاب بالكثير من الأمراض .. وأوشكت على الهلاك.. وأصبحت داء يصعب علاجه.
فهذا اخي وقريبى ، بالطبع.. يهمني أمرهما ،ولكن” فات الآوان “.
على مضض .. تقبل” سعد “هذه اللطمة .
وأخبرالأهل بذلك،
عقدوا مجلسا عرفيا .ودافع أخو شادى عن فعلته وحسن مقصده ثم بادر بالاعتذار لسعد أمام الجميع.
ظلت تلك الكلمات في ذاكرة “سعد” طول حياته، واعتبرها جميلًا ومعروفًا ، يعترف به لكل من وقع أمامه في هذا الموقف.
——
نص القصة
قصة قصيرة ( مسابقة سَفِّ السكر)
بقلم جلال الصياد
في حجرة صغيرة بإحدى المصالح الحكومية، تضم مكتبًا طويلًا به ثلاثة أدراج يستخدمهم ثلاثة من الموظفين، هم ” صادق” و “عارف” و “عثمان ” .
يخيم عليهم الصمت طول الوقت؛ لقيامهم بأعمال المحاسبة التي تحتاج إلى الهدوء.
وبين الحين والآخر يتطوع أحدهم بالقيام بإعداد ثلاثة أكواب من الشاي؛ لعدم وجود بوفيه.
اتفقوا فيما بينهم على دفع مبلغًا ثابتا من المال أول كل شهر، كجمعية لشراء احتياجاتهم من باكوات الشاي، وعدد آخر من أكياس السكر…
وأن يتولى مسؤولية تلك المهمة الزميل “عارف”.
مر.. شهر.. اثنان.. دون ظهور أي مشكلة.
وفي الشهر الثالث ، أخبرهم “صادق” بأن محل فطاطري جديد فُتِحَ بجوار مسكنه، يقوم بإعداد فطائر بالبسبوسة والكنافة بالكريمة … و.. و..، و يرغب أن نتذوقها.
على أن يدفع هو ثمن المرة الأولى.
في اليوم التالي، أحضر “صادق” الفطائر، وأعطى كلًا منهما فطيرة.
التقط “عارف” قطعة فطيرة والتهمها في فمه.
وتبعه صادق وعثمان واتفقوا على أن تكون تلك الفطيرة هى وجبة الافطار كل يوم.
وفي الشهر الثالث .. لاحظ “عارف” أن كمية السكر المشتراه لا تكفي، وأخبرهم بدفع مبلغا اضافيا لشراء السكر ؛ لسد العجز، وفي الشهر الرابع والخامس لاحظ أن نسبة العجز في السكر تزداد، أخبرهم بذلك دون التفكير في البحث عن أسباب ذلك العجز.
لم يعلق “صادق” و” عثمان” ، واعتبرا الأمر لا يستحق التفكير، باعتبار أن الكلام في أمور، مثل: الأكل والشرب، من الأشياء التافهة، بل ومن العيب أيضًا، لكن “عارف” أصر على معرفة سبب ذلك العجز.
بدأ يراقب زميليه ..
لاحظ “صادق”يضع السكر في حفنه يده ويقذفها في فمه، ويقلده “عثمان” وكأنهما في سباق.
مرَّ الشهر السادس على هذا الحال، وفي بداية الشهر السابع ،وعند جمع المبلغ والذي غالبًا ما يزداد كل شهر دون اعتراض من أحد.
فاجأهم “عارف” بأنه تعرف على النمل الذي يأكل السكر، وقبل أن يكمل حديثه، انفجر” صادق” و “عثمان” في الضحك، واعترفا له بأنهما كانا يتسابقان في مسابقة من نوع جديد، ألا وهي مسابقة ( سَفّ السكر).
أبلغهما “عارف” بقراره منفردًا بأنه انسحب من هذه الجمعية، وأنه سوف يبلغ زوجته بأن تعد له عددًا من القراطيس الورقية، فى كل منها نصف ملعقة من السكر وأخرى من الشاي، وخلطهم ببعض.
راقبه “صادق” و”عثمان” ، وحرصا على أن لا يتركاه يهنأ بهذا القرار.
راقباه لمدة ثلاثة أيام حتى عرفا مكان اختباء القراطيس.
بدءا في مغافلته وسرقة قرطاس واحد فى كل يوم.
واستمرا على هذه الحال، حتى عاد “عارف” صاغرًا معتذرًا وانضم للجمعية من جديد على أن يتوقفا عن تلك المسابقة المهلكة.
وفى أحد الايام ….
وبعد تناول الافطار ، شعر صادق بألم شديد فى بطنه ، واحساس برغبة فى التقيء، توقف عن الأكل .
التف حوله الجميع وحالة من القلق سادت المكان .
ارتفعت درجة حرارته، وراح فى غيبوبة .
استدع الزملاء سيارة الاسعاف
وفى المستشفى أدخلوه قسم الطوارئ وبعد اجراء التحاليل وما يلزم من اشعات ، وكانت النتيجة الطبية ( ارتفاع حاد للسكر بالدم)
بدأ صادق رحلة طويلة من العلاج دون جدوى.
لحق به “عثمان”، ولم يمض وقت طويل حتى رحل الاثنان في سن ٍمبكرة.