حوران حم
في الشرق الأوسط، لا تسقط الأنظمة حين تضعف جيوشها فحسب، بل حين تعجز عن قراءة الزمن الذي تعيش فيه. تاريخ هذه المنطقة ليس تاريخ دولٍ مستقرة، بقدر ما هو تاريخ سلطات اعتقدت أن القبضة الأمنية أقوى من إرادة الشعوب، وأن التحالف مع الخارج يمكنه تعويض شرعية مفقودة في الداخل. هكذا سقطت دكتاتوريات واحدة تلو الأخرى، وكل واحدة منها رفعت، في لحظاتها الأخيرة، الخطاب ذاته: المؤامرة، الاستهداف، والضرورة الأمنية.
في كل مرة يسقط فيها نظام استبدادي، يعتقد من يخلفه أن العبرة لا تعنيه، وأن النار التي أحرقت من قبله لن تصل إليه. من بغداد إلى دمشق، ومن طرابلس إلى صنعاء، تتكرر المشاهد وتتشابه النهايات. واليوم، ومع قرع طبول حرب كبرى على إيران، يبدو الشرق الأوسط وكأنه يدخل فصلاً جديدًا من إعادة تشكيل قاسية، لا ترحم من لم يتعلّم.
السؤال الجوهري ليس: لماذا سقطت تلك الأنظمة؟
بل: لماذا يُصرّ من يحكم اليوم على تكرار الأسباب ذاتها التي أسقطت من سبقوه؟
سقطت تلك الأنظمة لأنها حكمت بعقلية الخوف، وأدارت الدولة بمنطق الغلبة، واعتبرت التنوع القومي والمذهبي تهديدًا لا مصدر قوة. سقطت لأنها اختزلت الوطن في سلطة، والسلطة في شخص، والشعب في جمهورٍ مطلوب منه التصفيق لا المشاركة. سقطت لأن الإعلام تحوّل فيها إلى أداة تبرير، ولأن “المكوعين والمسفقين” احتلوا الشاشات، يلمّعون الجرائم، ويعيدون صياغة القمع على أنه “حزم”، والدم على أنه “ضرورة وطنية”.
المفارقة المؤلمة أن كثيرين من هؤلاء كانوا بالأمس يملؤون الفضاء صراخًا ضد نظام بشار الأسد، ينتقدون استبداده، ويسخرون من أبواقه الإعلامية، ويتحدثون عن الحرية والديمقراطية وكرامة الإنسان. اليوم، حين تغيّر الموقع وبقي الأسلوب، سقط القناع. اللغة ذاتها، التخوين ذاته، العقلية ذاتها، والنتيجة ذاتها: سلطة تخشى شعبها، وشعب يُدفع دفعًا إلى اليأس.
فما الفرق بينكم وبين من أسقطتهم الثورات والانتفاضات؟
إن كان القمع هو القمع، وإن كان الإقصاء هو الإقصاء، وإن كان الإعلام أداة تضليل لا أداة مساءلة، فلماذا خرج الناس أصلًا؟ ولماذا طالبنا، نحن وشعوب هذه المنطقة، بالحرية والديمقراطية، إن كان البديل نسخة أخرى من الطغيان، بلون مختلف وشعارات جديدة؟
حكومة الشرع المؤقتة، وهي في لحظة اختبار تاريخي، لا تبدو وكأنها استوعبت العبرة. تتصرف بعقلية “المنتصر”، لا بعقلية “المسؤول عن مجتمع مكسور ومتعدد”. تتعامل مع النقد كخيانة، ومع الاختلاف كتهديد، ومع التنوع كعبء. هذا الطريق ليس جديدًا، ونتائجه معروفة سلفًا. كل الأنظمة التي سارت فيه انتهت إلى السقوط، مهما طال الزمن.
اليوم، ومع اقتراب المنطقة من حرب مفتوحة أو ممتدة على إيران، تتكشف صورة الشرق الأوسط بوصفه مسرحًا لإعادة كتابة التاريخ السياسي بالقوة. هذه ليست حربًا معزولة، بل حلقة أخيرة في سلسلة طويلة تهدف إلى كسر بنية إقليمية كاملة بُنيت منذ عقود. إيران ليست مجرد دولة في هذا المشهد، بل عقدة نفوذ ومركز ثقل سياسي وعسكري وأيديولوجي. ضربها أو تحجيمها يعني إعادة تشكيل العراق وسوريا ولبنان واليمن، وربما ما هو أبعد. من لا يدرك هذه الحقيقة سيجد نفسه ضحية ارتدادات لا يملك أدوات مواجهتها.
إسرائيل، في قلب هذا التحول، لم تعد تفكر بعقلية الدولة المحاصرة، بل بعقلية القوة المهيمنة. أمنها لم يعد مرتبطًا بخطوط تماس أو اتفاقيات هدنة، بل بإزالة أي بنية يمكن أن تنتج تهديدًا مستقبليًا. لذلك تسعى إلى تفكيك حزب الله لا بوصفه تنظيمًا مسلحًا فحسب، بل كنموذج قابل للتكرار، وتسعى إلى تحجيم إيران لأنها تمثل مشروع نفوذ عابرًا للحدود. من هنا تصبح جنوب لبنان، وجنوب سوريا، وحتى البنية الداخلية الفلسطينية، ساحات مفتوحة لإعادة الضبط وفق منطق القوة والمصلحة، لا وفق القانون الدولي.
الولايات المتحدة لا تخوض هذه المعارك بدافع أخلاقي. هي تدير العالم من موقع القوة الاقتصادية والعسكرية، وتسعى لمنع أي اختلال في التوازن الدولي. مصالحها في الشرق الأوسط واضحة: حماية أمن إسرائيل، ضمان تدفق الطاقة وخطوط التجارة، ومنع روسيا والصين من تحويل المنطقة إلى ساحة نفوذ دائم. لهذا أعادت واشنطن تموضعها، وقلّصت وجودها في مناطق مستنزفة، ونقلت ثقلها إلى نقاط أكثر استقرارًا. كوردستان العراق، في هذا السياق، لم تكن خيارًا عابرًا، بل شريكًا منضبطًا، قادرًا على حماية المصالح دون طموحات توسعية أو خطابات أيديولوجية مدمّرة.
أوروبا، من جهتها، تنظر إلى الشرق الأوسط بعين القلق لا الطموح. لا تريد ثورات جديدة، ولا انهيارات كبرى، ولا دولًا قوية قادرة على التأثير في توازناتها. ما تريده هو استقرار هش يمنع موجات الهجرة، ويضمن الطاقة، ويحمي الأسواق. لذلك تتعامل ببراغماتية باردة مع السلطات القائمة، وتغض الطرف عن الانتهاكات ما دامت لا تنتج فوضى تتجاوز حدود المنطقة.
أما روسيا، التي خسرت الكثير بسقوط حكم الأسد الابن، فلم تتعامل يومًا مع الشرق الأوسط بوصفه فضاءً للقيم، بل كساحة صراع مع الغرب. وجودها في سوريا كان دفاعًا عن موقع دولي قبل أن يكون دفاعًا عن نظام. خسارتها لا تعني انسحابها، بل إعادة تموضع وانتظار لحظة العودة.
تركيا، بدورها، تعيش تناقضًا دائمًا بين الخطاب والممارسة. تدخلها في سوريا تحكمه هواجس الأمن القومي، وفي جوهره خوف مزمن من أي تجربة سياسية كردية مستقلة. تسعى أنقرة إلى إبقاء سوريا ضعيفة، مفتوحة للتدخل، كي لا تتحول إلى دولة مستقلة القرار. لذلك تبدّل تحالفاتها، وتغيّر خطابها، وتلعب على حبال متعددة، مقدّمة نفسها للغرب كصمام أمان، فيما تعمّق الفوضى على الأرض.
وسط هذا المشهد المعقّد، تواصل سلطات محلية وحكومات مؤقتة تكرار أخطاء الماضي. تعتقد أن القبضة الأمنية كافية، وأن الدعم الخارجي ضمانة، وأن الإعلام قادر على تزييف الواقع إلى ما لا نهاية. لكن التاريخ في هذه المنطقة واضح وقاسٍ:
كل سلطة تجاهلت التعدد، وأقصت مكونات مجتمعها، وراهنت على الخارج ضد الداخل، انتهت إلى السقوط.
اللحظة الراهنة لا تحتمل الإنكار. العالم يُعاد تشكيله، والشرق الأوسط في قلب هذا التحول. من لا يبني عقدًا اجتماعيًا جديدًا قائمًا على الشراكة والعدالة، ومن لا يعترف بكل قومياته ومذاهبه، لن يكون جزءًا من المستقبل…