الفنتالين؛ سلاح الدمار الصامت

نبيل خالد مخلف – باحث سياسي

نحنُ في عالمٍ تتبدل فيه أدوات الصراع، إذ لم تعد أسلحة الدمار الشامل مقتصرة على القنابل النووية أو الغازات السامة، بل ظهرت وسائل أخرى أكثر خفاءً وأشد فتكاً، يتصدرها مخدر (الفنتالين)، فهذا المركب، الذي يفوق “المورفين”، قوةً بــ(100) مرة، ويتجاوز “الهيروين”، فتكاً بــ(50) مرة، خرج من نطاق الاستخدام الطبي ليغدو أداة قتل جماعي صامتة، لا تُحدث انفجاراً ولا تخلف دماراً مرئياً، لكنها تحصد الأرواح بوتيرة مرعبة، جرعة لا تتجاوز حجم (حبة ملح) قادرة على إنهاء حياة إنسان، فيما يكفي (كيلوغرام واحد) لقتل (500) ألف شخص، وهو مشهد أقرب إلى الإبادة منه إلى الجريمة الفردية.

وتكشف الأرقام المعلنة في الولايات المتحدة الأمريكية حجم الكارثة الإنسانية المرتبطة بهذا المخدر، إذ سُجلت أكثر من (107) آلاف حالة وفاة خلال ثلاثة أعوام فقط، من بينها (72) ألف حالة في عام واحد، عند هذه المرحلة، لا يعود الفنتالين مجرد أزمة صحية، بل يتحول إلى أداة اختراق للمجتمعات، تُضعف بنيتها الاجتماعية وتستنزف طاقتها البشرية دون إطلاق رصاصة واحدة.

في الحقيقة، إن خطورة الفنتالين تكمن في طبيعته السياسية غير المعلنة؛ فهو سلاح لا يُنسب إلى دولة بعينها، ولا يُدرج ضمن ترسانات الحرب التقليدية، لكنه يؤدي وظيفة مماثلة في زعزعة الاستقرار ونشر الفوضى، وإن تجاهل هذا الخطر، أو التعامل معه بآليات جزئية، لا يُعد تقصيراً فحسب، بل يفتح الباب أمام شكل جديد من الحروب الناعمة، حيث يُقتل الإنسان ببطء، وتُهزم الدول من الداخل، تحت غطاء الجريمة المنظمة وسوق المخدرات العالمية، لذلك يتعين على الحكومة العراقية أن تضع خطر هذا المخدر المستقبلي في صميم أولوياتها، وأن تُعد خططاً صارمة لتعزيز ضبط الحدود ومكافحة تجارة المخدرات المنتشرة بحزمٍ وحسم، منعاً لوصول هذا السم القاتل إلى الداخل العراقي؛ إذ إن دخوله سيشكل بداية مرحلة جديدة من الدمار الداخلي الذي يهدد المجتمع وأمنه واستقراره.

قد يعجبك ايضا