الصداقة بين المراهقين في زمن الذكاء الاصطناعي

ينا الحوراني

لم تعد الصداقة بين المراهقين كما كانت قبل عقد منالزمن. ففي الوقت الذي كانت فيه الصداقة تُبنىعلى اللقاءات المباشرة، واللعب المشترك، والحواراتالطويلة وجهاً لوجه، أصبح الذكاء الاصطناعي اليوملاعباً خفياًوأحياناً ظاهراًفي تشكيل العلاقاتالاجتماعية للمراهقين.

من تطبيقات الدردشة الذكية، إلى الألعاب الجماعيةالمدعومة بالذكاء الاصطناعي، إلى الخوارزمياتالتي تقترحأصدقاء محتملين، يعيش المراهق فيبيئة اجتماعية رقمية معقّدة، تتداخل فيها الصداقةالإنسانية مع التفاعل الآلي، مما يطرح أسئلةاجتماعية وإعلامية عميقة، هل تغيّر مفهوم الصداقة؟أو هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعوّض الصديق؟وأين يقف الأهل في هذه التحولات؟ موضوع له تأثيركبير على القارئات الأمهات، يطرح فيهالاختصاصيون كيف تغيّر التكنولوجيا الذكية معنىالصديق وحدود العلاقة الإنسانية بين المراهقين؟

أولاً: كيف يفهم المراهق الصداقة اليوم؟

الصداقة لدى المراهق ليست مجرد علاقة اجتماعية،بل مساحة للأمان، والانتماء، واكتشاف الذات. إلا أنهذا المفهوم بات يتشكّل داخل منصات رقمية أكثرمن ساحات اللعب أو مقاعد الدراسة.

اليوم، قد يعتبر المراهق شخصاً لم يلتقِ به قطصديقاً مقرّباً لأنه:

يشاركه الاهتمامات نفسها عبر الإنترنت

أي لا تقف بينهما أي عوائق، بل سهولة في التعبير،التي كان المراهق بجد صعوبة أحياناً في كشفهاللآخرين، لكن الإنترنت يوفر مساحة أسهل لذلك. وربما يساعده في العثور على مجتمعات تشاركهاهتماماته وتجاربه، خاصة فيما يتعلق بالصحةالنفسية.

يتواصل معه يومياً عبر الألعاب أو الدردشة

حيث تؤدي الألعاب الإلكترونية إلى عزلة المراهقين وتشويش تفكيرهم بين العالم الافتراضي والعالمالحقيقي, و هذا لا يؤثر على المراهقين فقط بل أيضاًلها تأثير على الشباب كما تسببت في ضياع الوقتعند المراهقين وتسيطر على عقول من يمارسونها وتؤدي إلى إدمانها وإ حداث العديد من المشاكلالصحية والنفسية.

يشعر بأنه مفهوم ومقبول من دون أحكام

مع التغيرات الهرمونية والكثير من الأمور التي تحدثفي أجسامهم، يكون من الصعب على المراهقينالتعامل مع كثير من المواقف على النحو المناسب. في هذه المرحلة، يمر المراهقون بمرحلة حرجة للغايةمن حياتهم، فهم بحاجة إلى آبائهم ومعلميهملرعايتهم والاهتمام بهم ومنحهم الشعور بالانتماء،لكنهم يخافون من أحكامه، وعدم تقبلهم لهم، وهذاهو الفارق بينهم، وبين الصديق الرقمي، الذي يجدعنده دعماً نفسياً ومشورة في أوقات الأزمات أولمواجهة تحديات الحياة.

هذا التحول لا يعني بالضرورة تراجع قيمة الصداقة،بل تغيّر أدواتها وحدودها، وهو ما يتطلب فهماً أعمقبدل الرفض أو التخويف.

ثانياً: الذكاء الاصطناعي كوسيط اجتماعي

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية، بلأصبح وسيطاً اجتماعياً يوجّه العلاقات بشكل غيرمباشر، كالآتي:

خوارزميات تقترح الأصدقاء بناءً على الاهتماماتالمشتركة.

في العام 2025 طوّر باحثون روس خوارزمية ذكيةتهدف لتحسين التواصل عبر وسائل التواصلالاجتماعي. وتعتمد هذه التقنية على نظام توصياتأكثر ذكاءً لاقتراح صداقات جديدة، وفق «تاس».

وقد أظهرت الدراسات أن اقتراح الأصدقاء بناء على4 معارف مشتركة أو أكثر يؤدي إلى زيادة الانقسامبين المستخدمين وتكوين مجتمعات منعزلة. بينمايسهم الاقتراح بناءً على 1-3 معارف مشتركة فيتقليل التوتر والانقسام وتعزيز فرص التعاون. كمااهتم علماء الرياضيات الروس بكيفية تأثير معاييرعمل هذه الخوارزميات، بما في ذلك ميلها إلىالاعتماد على الاهتمامات والروابط المعروفة بالفعلبين المستخدمين عند تقديم التوصيات على الشبكاتالاجتماعية. ولتحقيق ذلك، تتبّع العلماء كيف تؤثرأنواع مختلفة من الخوارزميات في مستوى«الانتقائية التجميعية» في الشبكات الاجتماعية،وهو معيار رياضي يعكس كثرة إقامة الروابط معالجيران الذين يشبهونهم بطريقة ما. وتم الحصولعلى نتائج إيجابية مماثلة، ما يبعث الأمل في إنشاءخوارزميات تشجع مستخدمي الشبكات الاجتماعيةعلى التعاون، وتقلل من مستوى التوتر بينهم.

فظهرت روبوتات دردشة يتفاعل معها المراهقونبوصفهامستمعاً دائماً، وهي ألعاب تعتمد علىشخصيات ذكية تحاكي الصداقة والتعاون، تستخدمتقنيات مثل معالجة اللغة الطبيعية (NLP) لفهم نيةالمستخدم وطلبِه، حتى مع وجود أخطاء إملائية أوصيغ متنوعة. وبناءً على فهمها للطلب، تقدم إجاباتمناسبة، إما من خلال قواعد محددة مسبقاً أو منخلال نماذج لغوية كبيرة (LLMs) لتوليد ردود أكثرتعقيداً. الروبوتات المتقدمة تتعلم من كل محادثة، ممايحسن دقة ردودها وقدرتها على التكيف معاحتياجات المستخدمين بمرور الوقت. وهنا يظهرسؤال جوهري: هل يتعلّم المراهق مهارات الصداقةالحقيقية، أم يعتاد على علاقاتمريحة لا تتطلبجهداً عاطفياً؟

ثالثاً: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلالصديق؟

لا يمكن إنكار أن بعض المراهقين يلجؤون إلى الذكاءالاصطناعي كبديل مؤقت عن الصداقة، خاصة فيحالات:

الشعور بالوحدة، والقلق الاجتماعي، والخوف منالرفض أو التنمر، فالذكاء الاصطناعي هنا: لايحكم، ولا يسخر، وهو متاح في أي وقت، لكن برأيالخبراء، أنه لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلمكان الصديق البشري بشكل كامل لأنه يفتقر إلىالتعاطف الحقيقي والوعي والتجارب الحياتيةالمشتركة، إلا أنه قد يكمّل الدعم أو التدريب أوالرفقة، إذ يوفر إمكانية الوصول على مدار الساعةوتفاعلاً غير متحيز، بينما يؤكد الخبراء أنه لايستطيع محاكاة عمق العلاقات الإنسانية الحقيقيةوحميميتها ونموها المتبادل. ورغم أن الكثير منالمراهقين أكثر تعلقاً بالذكاء الاصطناعي، إلا أن هذهالعلاقات تبقى من طرف واحد، لأن الآلات لاتستطيع الشعور بالمشاعر أو تبادلها، ما يجعلهامختلفة جوهرياً عن الصداقات الإنسانية، والخطر لايكمن في الاستخدام، بل في الاعتماد العاطفيالمفرط، حيث قد يفضّل المراهق التفاعل الآلي علىالعلاقات البشرية المعقّدة.

رابعاً: التأثيرات الإيجابية للذكاء الاصطناعي علىالصداقة

رغم المخاوف، لا يمكن إغفال الجوانب الإيجابية،ومنها:

مساعدة المراهقين الخجولين على التواصل: بسببالمحادثات الفردية مع الذكاء الاصطناعي، الذي قديشجعه على الانخراط في أنشطة جماعية ممتعة(أندية، رياضة) لبناء الثقة بين الأهل والمراهقين، معالتركيز على نقاط قوتهم وتعزيزها، وتوفير بيئة داعمةخالية من النقد.

خلق صداقات عابرة للثقافات والحدود: فقد تتواصلصديقة الذكاء الاصطناعي بشكل رئيسي حيثيمكن للمستخدمين إرسال رسائل نصية إلىأصدقائهم الذين يعملون بتقنية الذكاء الاصطناعيوتلقي ردود فورية. يشبه هذا الوضع إرسال رسالةنصية إلى صديق، حيث يستطيع الذكاءالاصطناعي الحفاظ على محادثة متماسكة وجذابةبمرور الوقت.

تعزيز العمل الجماعي عبر الألعاب والمنصاتالتعليمية: حيث يمكن دمج التعلم القائم على الألعاب(Gamification) والمنصات التفاعلية لتصميمأنشطة تعاونية مثل تحديات الفرق، الألعاب التعليمية(مثل Minecraft Education)، والمشاريع المشتركةعبر أدوات مثل منصات التعلم عن بُعد, مما يرفعالمشاركة، يحفز التواصل، ويطور مهارات حلالمشكلات والابتكار، من خلال أهداف واضحة وتغذيةراجعة مستمرة لضمان المتعة والفائدة

دعم المراهقين الذين يعانون من العزلة أو الإعاقاتالاجتماعية: بحيث يجد المراهق صديقاً يمكنهالحديث معه، في حال لم يقف أحد من الأهل بجانبه.

خامساً: أضرار أكيدة للصداقات بين المراهقين عبرالذكاء الاصطناعي

منع المراهق من تعلم التفكير خارج الصندوقبمُفرده. فالذكاء الاصطناعي قادر على التعلّم بمرورالوقت من خلال البيانات التي تمّ تغذيته بها مُسبقاًبالإضافة إلى الاستفادة من التجارب السابقة، لكنّهلا يستطيع أن يكون مبدعاً في نهجه.

تحرم أنظمة الذكاء الاصطناعي المراهقين من فرصالتعامل مع الخلافات، وهو جانب مهم في تنميةالمهارات الاجتماعية والقدرة على التكيف.

لا تعطي المراهقين خبرة في المفاوضات أو بذلالتضحيات، وهما عنصران أساسيان في العلاقات.

قدرة الفرق المسؤولة على مراقبة هذا النوع منتسريب البيانات، عن المعلومات الشخصية.

الذكاء الاصطناعي يعطي المراهق البياناتوالخوارزميات لتشكيل القرارات والتنبؤات، وقد تكونمتحيزة بقصدٍ أو بغير قصد، ولا تعطي اعتباراً للآراءالأخرى.

قد يؤدي استخدام المزيد من الأصدقاء الرقميين إلىزيادة الاعتماد على الآلة والإصابة بما يُعرف بالكسل البشري“. فالاعتماد المُبالغ فيه على الذكاءالاصطناعي يُمكن أن يجعلنا نستخدم أدمغتنابشكلٍ أقل في الحفظ ووضع الاستراتيجيّات وحلّالمُشكلات عند المراهقين بأنفسهم.

ضعف مهارات التواصل الواقعي، بسبب عدممواجهة البشر الحقيقية، ما يؤدي إلى صعوبة إدارةالخلافات وجهاً لوجه، ويتعمق الخلط بينالمتابعوالصديق، بسبب تأثر العلاقات بالخوارزميات بدلالمشاعر عند المراهقين.

قد يعجبك ايضا