بلقيس خالد
شاعرة وكاتبة
استيقظت على ضوء الصباح الذي تسلل من نافذة الغرفة. مدت يدها تبحث عن دفء زوجها… فلم تجدهُ. ظنت أنه في الحمام كعادته. نهضت من سريرها بكسل جميل، وفي طريقها إلى المطبخ لإعداد الإفطار، ألقت نظرة نحو باب الحمام، فوجدته مواربا، لا أحد بالداخل. تجهم وجهها قليلا. الأبناء ما زالوا غارقين في نومهم. وقبل أن توقظهم من أجل الذهاب إلى المدرسة، لمحت ضوءاً يتسلل من غرفة الاستقبال. وحركة مريبة في داخلها، همسٌ خفيفٌ لم تلتقطهُ أذنها بوضوح. ترددت للحظات… تقدمت خطواتها الحذرة نحو باب غرفة الاستقبال، وضعت يدها فوق مقبض الباب البارد. آلاف الأفكار تدافعت في رأسها: ماذا يحدث؟ من جاء لزيارتنا في هذا الوقت المبكر جدا؟ لم أسمع طرق باب! حاولت أن تفتح الباب، ترددت، تحدث روحها: هل أنادي عليه قبل أن أفتح؟ أم أفتح فورا؟. القلق اعتصر روحها. دفعت الباب، وقفت مصدومة مما رأت عيناها. أرض غرفة الاستقبال، تعمها فوضى عارمة. أوراق كثيرة متناثرة هنا وهناك، بقع حبر سوداء تلطخ السجاد، والأرائك في غير أماكنها المعتادة، كأن إعصارا صغيرا قد ضرب المكان. يتوسط أرض الغرفة سلم حديدي..، وزوجها يقف فوقه، في يده أوراق وفرشاة صغيرة، تلك التي كان يستخدمها في طلاء الأبواب أو أي غرض يحتاج طلاء. لكنه الآن ليس لديه طلاء. حدقت في زوجها، ثم في السقف. شهقت… سقف غرفة الاستقبال مغطى تماما بقصاصات الأوراق، كل قصاصة عليها بعض كلمات مكتوبة بوضوح تام. صاحت مستغربة، وصوتها ممزوج بالذهول: ما هذا؟ ماذا فعلت؟ ما الذي فعلته بالسقف؟ وما هذه الفوضى؟!. لم يجبها. استمر بطلاء السقف بمادة الصمغ، ولصق قصاصة جديدة من الورق. ثم هبط من على السلم بهدوء، التفت إلى زوجته، وعلى وجهه ابتسامة لا تخلو من حكمة غريبة. وكما لو أنه يفصح عن سر قال: كلما زارنا أحد، أخذ يتطلع في السقف كما لو أنه يبحث عن شيء ما.. وها أنا ذا… وضعت لضيوفنا ما يبحثون عنه. مقتطفات من قصة حياتنا، وكل الكلمات، كل الأفكار، كل الأحلام التي تاهت في عيونهم… هي الآن معلقة فوق رؤوسهم.