الشرح والتلخيص في فلسفة التاريخ

د. نزار الربيعي

نشأت الفلسفة ابتداءً من النقل ظهرت حركة ثانية هي الشرح والتلخيص من أجل تجاوز النص المنقول والتعبير عن مضمونه بأسلوب عربي خالص. وهما متلازمان، وإن كان أحدهما يبدو زمانيًّا قبل الآخر أحيانًا. قد ينشأ التلخيص قبل الشرح في الزمان، سواءٌ في حياة الجماعة أو في عمر الفرد الواحد، وقد ينشأ الشرح قبل التلخيص لما في الشرح من إسهاب وتفصيل ولما في التلخيص من تركيز. والغالب أنهما متلازمان ومتبادلان، يظهران في كل عصر ويقوم بهما كل فيلسوف، علاقة التلخيص بالشرح مثل علاقة التركيب بالتحليل. فالتخليص مثل التركيب، والشرح مثل التحليل. وقد كانا عمليتَين متلازمتَين متجاورتَين متزامنتَين منذ نشأة الفلسفة حتى نهايتها، تُعبِّران عن بِنْية الفكر وليس عن مجرد تطوره في مراحله أو في مراحل عمر الفيلسوف.

لا يوجد فصلٌ زماني حاسم بين مرحلة النقل ومرحلة الشرح والتلخيص؛ فقد قام بعض المترجمين أنفسهم بالشرح والتلخيص مما يدلُّ على أنهم كانوا فلاسفة يبحثون عن المعنى وليسوا مجرد نقَلةٍ حَرفيين كما هو الحال في عصرنا بدعوى الموضوعية والأمانة والحرص على النص المنقول. وهو يدل في الحقيقة على عدم وجود موقف حضاري للناقل ولا يقوم النقل لديه بأية وظيفة. بل لا يضير الناقل المعاصر أن ينقل أرسطو عن الفرنسية، فاللغة لديه لم تَعُد مرتبطة بالفكر، ولا يُقدِّم إلا ثقافة عائمة طافية من الآخر فوق ثقافة راسخة أصيلة، من الأنا. وبالتالي تظل هامشية بعيدة عن القلب. فلا المترجم الفرنسي له موقف حضاري ولا المترجم العربي المعاصر له موقف حضاري، كلاهما ناقل؛ الأول ضحية موضوعية القرن التاسعَ عشر في حضارته، والثاني ضحية تقليد الآخر.

ويعني الشرح إعادةَ تركيب النص المنقول من بيئة ثقافية إلى بيئة ثقافية أخرى، من ثقافة الآخر إلى ثقافة الأنا؛ وذلك عن طريق: تفتيت النص المنقول وتحليله إلى عناصره الأولية؛ حتى يسهل فَهمه وابتلاعه جزءًا جزءًا، ثم هضمه وتمثُّله من أجل العرض والتأليف فيما بعد.

وإعادة تركيب النص طبقًا للتصور الإسلامي لفظًا ومعنًى وشيئًا. فالشرح بداية القراءة الفاحصة. الشرح هو القيام بعملية «عاشق ومعشوق» من أجل تحويل النص من المقروء إلى القارئ، من ثقافة الآخر إلى ثقافة الأنا.

وإسقاط جميع الأمثلة التي من ثقافة الآخر وإسقاط جميع أسماء أعلامه وشواهده قدر الإمكان؛ لأنها بيئيَّة صِرْفة، محلية، لا تعيش في المخزون التراثي في البيئة الثقافية الجديدة.
ووضع أمثلة أخرى وشواهد جديدة من ثقافة الأنا للتوضيح، ولتقوم بنفس الوظيفة التي كانت تقوم بها أمثلةُ الآخر وشواهده، هذه الأمثلة الجديدة لها دلالتها في الثقافة الجديدة والتي يسهل مطابقتها مع دلالات النص المقروء.
وإكمال الناقص في النص المنقول، ثم وضع الجزء الذي توصل إليه الآخر في الكل الذي تضعه الأنا. فالشرح إعادة تصنيف وترتيب للأجزاء المنقولة في إطار الكل المسبق في وعي الشارح:

– الشرح الأصغر، وهو أقربُ إلى التلخيص. ويقوم هذا الشرح على البداية بالفكرة الواحدة ثم الناء عليها ربطًا للقديم بالجديد، وتواصلًا بين الحضارات، واستمرارًا للتراكم المعرفي للإنسان، دون ذكر مقال أرسطو أو حتى اسم صاحب النص أو أية أسماء أخرى أو شواهد من بيئة المنقول أو من بيئة الناقل.
– الشرح الأوسط في صيغة «قال أرسطو إن …»، وهو القول غير المباشر، ويعني ذلك البدايةَ بأول النص المترجَم كخيطٍ قائد، ثم الخروج عنه تأليفًا وإبداعًا لنصوص أخرى. البداية من الآخر أما الوسط والنهاية فمن الأنا. النقل من الآخر أما الإبداع فمن الأنا.
– الشرح الأكبر وهو أخذ النص مُقسمًا إلى وحدات صغيرة وبدايتها «قال أرسطو …» مع التمييز بين النص والشرح، بين المقروء والقراءة كما هو الحال في علوم التفسير. ويتم تقطيع النص المقروء حتى يسهل مضغُه وابتلاعه وهضمه من أجل تمثُّله وتحوله إلى إبداعات فكرية، ونشاطات ذهنية، وهنا تبقى الشواهد الأصلية من الوافد ويُزاد عليها شواهدُ محلية من الموروث.

أما التلخيص فمع أنه أصغرُ كمًّا إلا أنه أكثرُ تركيزًا فكرًا؛ لأنه يعني: تجاوز مرحلة النص كلية، والانتقال ليس فقط من اللفظ إلى المعنى، ولكن أيضًا من الإسهاب في المعنى إلى التركيز، ومن المعاني الفرعية إلى المعاني الكلِّية. التلخيص بهذا المعنى لُباب بلا قشور، وجواهرُ بلا أعراض، وقلبٌ بلا أطراف، وروح بلا جسد.

إسقاط الشواهد والأسماء والتحديدات الزمانية والمكانية والشخصية كلها، وعدم استبدال أمثلة جديدة من ثقافة الأنا بأمثلة قديمة من ثقافة الآخر.

الحرص على التجريد والتعميم بحيث يبدو الفكر وكأنه مِن استنباط العقل النظري الخالص دون ما رجوعٍ إلى أية مادة علمية من ثقافة الآخر أو من ثقافة الأنا. وهي البِنية الصورية للموضوع بصرف النظر عن الخطاب أو المقال، وتأسيس هذه البِنية على نسق داخلي عضوي قائم بذاته بصرف النظر عن نشأة هذا الموضوع في هذا التراث أو ذاك.

وبهذا المعنى لا يختلف التلخيص عن التأليف في شيء إلا في أن التلخيص ما زال يحتفظ بعنوان النص المنقول مثل المقولات، العبارة، القياس، البرهان … إلخ. وفي هذه الحالة لا يُشير العنوان إلى نصٍّ واحد، بل إلى موضوع فلسفي صِرف لا وافد ولا موروث، العقل قادرٌ على التعامل معه مباشرة. وهذا هو أحدُ معاني الفلسفة التي افتقدناها في فلسفتنا المعاصرة.

قد يعجبك ايضا