حوران حم
ليس ظلم الكرد حادثةً طارئة في تاريخ المنطقة، ولا نتيجة ظرفٍ سياسي عابر، بل هو مسارٌ طويل، متراكم، بدأ حين قررت السلطة – أيًّا كان شكلها – أن التنوع خطر، وأن الاعتراف بالكرد تهديد لجوهر الدولة. ومنذ تلك اللحظة، دخل الكرد امتحانًا مفتوحًا لم يُغلق حتى اليوم: امتحان البقاء دون دولة، والتمسك بالهوية دون اعتراف، والإيمان بالقيم دون حماية.
قبل أن تُولد الدول الحديثة، عاش الكرد ضمن فضاء الإمبراطورية العثمانية، التي حكمت باسم الخلافة، لكنها لم تُدر التنوع بعدالة. في البداية، سُمح للإمارات الكردية بهامش من الحكم الذاتي، لا احترامًا لحقوق الكرد، بل لحاجة الدولة إليهم كحاجز جغرافي وعسكري. وحين تغيّرت موازين القوة، لم تتردد الدولة في الانقضاض عليهم. أُلغيت الإمارات، سُحقت الثورات، ونُزعت الشرعية عن أي كيان كردي مستقل. كان المطلوب كرديًا بلا سياسة، بلا قرار، بلا صوت.
التحول الأخطر جاء عندما بدأ الاستبداد يتكئ على الدين. كل تمرد كردي صُوّر كخروج على “ولي الأمر”، وكل مطالبة بالحقوق جرى تأطيرها كفتنة. وهكذا، بدأ الشرخ الأول في الوعي الكردي: ليس مع الإسلام كدين، بل مع السلطة التي استخدمته سوطًا. هذه التجربة المبكرة ستترك أثرها العميق، وتعود بأشكال مختلفة في كل المراحل اللاحقة.
ثم جاء القرن العشرون، القرن الذي يُفترض أنه قرن التحرر، فإذا به يتحول إلى قرن الإبادة بالنسبة للكرد. بعد الحرب العالمية الأولى، لم يُستدعَ الكرد إلى طاولات التفاوض، بل جرى التفاوض عليهم. رُسمت الحدود، وُزعت الأراضي، وتحوّلت كردستان إلى جغرافيا ممزقة. اتفاقيات القوى الكبرى لم ترَ في الكرد شعبًا، بل مشكلة مؤجلة. ومنذ ذلك الحين، صار الكرد غرباء في أوطانهم، وأقليات في أرضهم، ومتهمين دائمًا في ولائهم.
في كل دولة نشأت على أنقاض الإمبراطورية، تكررت المأساة بصيغة مختلفة. في تركيا، جرى إنكار الوجود الكردي بالكامل، لا لغة، لا اسم، لا تاريخ. الكرد “أتراك الجبال”، وثوراتهم جريمة. في إيران، استُخدمت القبضة الحديدية باسم وحدة الدولة، وقُمعت أي محاولة لتنظيم سياسي كردي. في العراق، بلغ العنف ذروته مع النظام البعثي، حين تحولت الدولة نفسها إلى أداة قتل جماعي.
الأنفال لم تكن فقط قتل عشرات الآلاف، بل محاولة محو ذاكرة كاملة. أراد صدام حسين كسر روح الكرد، اقتلاعهم من الجبال، من القرى، من التاريخ. وحين خُنقت حلبجة بالغاز، لم يُقتل الناس فقط، بل قُتل الإيمان بفكرة “الدولة الحامية”. كان ذلك إعلانًا صريحًا: الكرد بلا حماية، وبلا قيمة في معادلات القوة.
وفي سوريا، اختار النظام مسارًا مختلفًا، أكثر صمتًا وأطول نفسًا. حافظ الأسد لم يحتج إلى المجازر الواسعة، فالتجريد البطيء كان كافيًا. سحب الجنسية، منع اللغة، تغيير الديموغرافيا، خنق الاقتصاد، وإبقاء الكرد في هامش الحياة السياسية. كان الهدف واضحًا: إنتاج كردي خائف، صامت، بلا أفق. ومع بشار الأسد، لم يتغير النهج، بل استمر حتى لحظة الانفجار.
وحين انهارت الدولة، لم تُفتح أبواب العدالة أمام الكرد، بل انفتحت أبواب جحيم جديد. المعارضة لم تعترف بحقوقهم، والفصائل المسلحة أعادت إنتاج خطاب الإنكار بلغة دينية. هنا ظهر الطغيان بأقسى صوره: طغيان يدّعي أنه ينطق باسم الله. أبو محمد الجولاني، ومن يشبهه، لم يرَ في الكرد شركاء، بل عائقًا. فمارس القتل والتهجير، لا كخطأ، بل كسياسة.
وهنا يصل السؤال إلى ذروته: كيف لأمةٍ أن تُطالَب بالثقة، وقد خُذلت في كل مرة؟ كيف للكرد أن يُقنعوا أبناءهم بأن الإسلام رسالة عدل، وهم يرون باسمه تُغتصب القرى، وتُكفّر الهويات، ويُشرعن الدم؟ هذا السؤال ليس عداءً للدين، بل صرخة في وجه من اختطفوه.
ومع ذلك، لم يتخلَّ الكرد عن جوهرهم. لم يتحولوا إلى أمة ناقمة على العالم. بقوا يبحثون عن صيغة تعايش، عن عدالة حقيقية، عن اعتراف لا يُمنّ به أحد. ما يطلبه الكرد ليس دولة على أنقاض الآخرين، بل مكانًا متساويًا في هذه الجغرافيا، وحقًا في أن يكونوا أنفسهم دون خوف.
إن هذه السردية الطويلة من الظلم ليست مجرد تاريخ، بل تحذير. فالشعوب التي يُكسر حقها مرارًا، لا تنسى، لكنها أيضًا لا تموت. وما دام الكرد يُدفعون ثمن كل فشل سياسي في المنطقة، فإن الاستقرار سيبقى وهمًا، والسلام سيبقى مؤجلًا.
هذه ليست قصة ماضٍ انتهى، بل حاضرٌ مستمر. أمةٌ ما زالت تحت الاختبار، لا لأنها فشلت، بل لأن العالم فشل في الاعتراف بها.