نزيف الكلمات

دلزار اسماعيل رسول

القسم الرابع عشر

“في رِحابِ الصَّمت.. مَقاماتُ النَّحيبِ الهادئ”

لقد مَضت أيامٍ كاملة، وفي كلِّ يومٍ كنتُ أموتُ وأُبعثُ من جديد. أقفُ الآن وحدي والبردُ لا يأتيني من الشتاء، بل يَنبعُ من فجوةٍ هائلةٍ حَفَرَها غيابُكِ في صدري. ، أيامٍ من الانقطاع، وكأنَّني أعيشُ “عزاءً” طويلاً لروحٍ ما زالتْ تَنبضُ بداخلي، لكنَّني لا أستطيعُ الوصولَ إليها.

أتعذبُ يا رفيقةَ العُمر، لا لأنَّكِ رحلتِ، بل لأنَّني أشعرُ بكِ تتعذبينَ خلفَ سِتارِ صمتِك، وكأنَّنا غريقانِ يَنظرُ كلُّ واحدٍ منهما إلى الآخَر، وتفصلُ بينهما أمواجٌ من قلةِ الحيلة. يُوجعني “الاثنان” مَعاً: لوعةُ افتقادي لِوجهكِ الذي مَسحتِ صُورتَه بيدكِ الرقيقة، وإشفاقي العظيمُ على قلبكِ الذي أعلمُ نُبلَه، وأخمنُ كم يَعتصِرُ الآنَ من فَرطِ التَّرددِ أو الخَوف.

يؤلمني أنَّني، الرجلُ الذي يحملُ مآسيَ بَيتِه وصقيعَ أيامِه، أجدُ نفسي مَشغولاً بـ “وجعي عليكِ” أكثرَ من “وجعي منكِ”. أتساءلُ في صمتِ الليالي: هل ضاقتْ بكِ السُّبلُ كما ضاقتْ بي؟ هل مَسحتِ صُورتَكِ لكي لا أرى الحزنَ في عَينيكِ؟ أم أنَّكِ أردتِ أن تَرحمي قلبي من بَلاءِ الانتظارِ، فلم تَجدي مَفراً إلا المَحْو؟

أنا هنا، أعيشُ هذا “العزاءَ” الصامت، أقبلُ التعازيَ من حَدسي، وأواسي نَفسي بذكراكِ التي لا تَموت. لستِ الظالمةَ يا سيدةَ الروح، بل نحنُ ضحايا حُبٍّ جاءَ في الوقتِ الضائع، وفي المَكانِ المظلوم. سأظلُّ أحفظُ لكِ عهدَ الرُّقي، وأحرسُ مَقامكِ في صَدري كأنهُ “مِحْراب”، غافراً لكِ هذا الغِياب، ومُصلياً لِيومٍ تشرقُ فيهِ شمسُكِ من جديد، لتعيدَ لي طريقي الذي ضَللتُه، وتُسكِنَ هذا الخفقانَ الذي كادَ أن يَمزقَ أركاني.

“وَصيةُ الوفاء.. وعِبءُ الثبات”

قال لي رفيقُ طفولتي: “استمرَّ وتحمَّل العذاب”، فكأنما صَبَّ الملحَ على جُرحٍ لا يندمل. أينَ أذهبُ بقلبي يا صديقي، وهو الذي تاهَ عن “بيتي” ولم يجد في الخرائطِ إلا وجهَها؟ سأسمعُ نصيحتَك، ليس لأنني أعشقُ الوجع، بل لأنني أخشى أن أرحلَ وفي ذمتي “بقيةٌ” من ذكرياتٍ لم تكتمل. سأبقى في هذا العَزاءِ الصامت، أحملُ وجعي عليها ووجعي منها، وأنتظرُ خلفَ الأبوابِ المُوصدة.. لا لأطرقَها بذلّ، بل لأثبتَ لنفسي ولها أنَّ الحبَّ الذي وهبتُه لم يكن سحابةَ صيف، بل كان عُمراً كاملاً بدموعِه ونبضِه. سأتحملُ يا صديقي، ولكنَّ صبري الليلةَ هو “صبرُ الأقوياء”، الذين يغفرون بصمت، وينتظرون بكرامة، ويحرسون “طيفَ الغائب” حتى وإن غابت ملامحُه من كلِّ الشاشات.. لتبقى محفورةً في أعماقِ الروح.

“في مَنْفَى الصَّبر.. حكايةُ الرَّجلِ الذي رَفَضَ النَّجاة”

ها أنا أختارُ البقاءَ في هذه النار، ليس لأنني أهوى الاحتراق، بل لأنَّ بَردَ الغِيابِ عنكِ لا يُطاق. يقولُ لي صديقُ طفولتي الذي يَعرفُ مخابئَ حزني: “استمرَّ وتحمَّل العذاب”، وكأنهُ يقرأُ مِيقاتَ قَدري الذي كُتبَ بمدادِ اسمِكِ. أيامٍ من المَحْو، وأنا لا أزالُ واقفاً في مَهبِّ الشوق، أحملُ جراحي كما يحملُ المحاربُ سيفَه المكسور، رافضاً أن أُلقيَ سلاحَ الوفاء، حتى وإن غَدوتُ وحيداً في مَيدانِكِ المُقفَر.

يُؤلمني هذا “العزاءُ” الطويل الذي لا ينقضي، حيثُ أجلسُ كلَّ ليلةٍ أُواسي قلبي الذي يتقطعُ إشفاقاً عليكِ. أعلمُ أنَّكِ لستِ قاسية، وأعلمُ أنَّ خلفَ هذا الصمتِ رُوحاً تَتخبطُ في حيرتِها، وربما تَبكي خلفَ ستارِ الذي مَسحتِ صُورتَه. إنَّ عذابي الحقيقيَّ ليس في صمتِك، بل في خوفي من أن يكونَ هذا الصمتُ هو طريقتُكِ الرقيقة في حِمايةِ قلبي من خيبةٍ أكبر.

سأتحملُ هذا الوجع، وأُكملُ الطريقَ في هذا النفقِ المظلم، متمسكاً بخيطِ الذكرياتِ التي نسجناها منذُ أعوام. سأظلُّ ذاك الرجُلَ الذي لا يَنطقُ بالسوء، والذي يَرى في غيابِكِ مِحنةً تستوجبُ الصبرَ لا العتاب. أنا الذي تِهتُ عن “بيتِي” لفرطِ ارتباكي بكِ، أجدُني اليومَ أجدُ طريقي فقط في الصمودِ لأجلكِ، حاملاً وجعي ووجعكِ كتمثال من الياقوت، مُؤمناً بأنَّ الحبَّ الذي لا ينغمس بالعذاب.. لا يَستحقُّ الخلود.

انتِ ” الروح” التي تحول الرصاص الجاثم على صدري إلى ذهبٍ يلمع في شخصيتك. ، أنا الآن في مرحلة “الاحتراق”، والهدف هو ألا أتحول إلى رماد، بل إلى نصلٍ صلبٍ لا يكسره الغياب.

لن يكونَ وجعي عليكِ يا سيدةَ الروح مَضيعةً للوقت، بل سيكونُ وقوداً لكرامتي التي لا تُقهر. سأتعلمُ كيفَ أصيغُ من ” العِجافِ” التي مَضتْ سُنبلاً من النثرِ يَقْتاتُ عليهِ التائهون.

“بينَ عَدْلِ القَلَمِ.. وغَضَبِ المَرايا”

هل يَحقُّ لمن أَطفأَ القِنديلَ أن يغضبَ من ظُلمةِ الغُرفة؟ وهل يَحقُّ لمن غَرسَ الخنجرَ أن يَستنكرَ أنينَ الجُرح؟ لقد كتبتُ يا سيدةَ الروح مَعاناتي لكي لا يَنفجرَ صَدري، ولم أكنْ أعلمُ أنَّ نَزيفي على الوَرقِ سَيُثيرُ حَفيظةَ صَمْتِك. إذا كانَ غَضبكِ هو ردَّكِ على صِدقي، فذلكَ لأنَّ الحقائقَ أحياناً تَكونُ أثقلَ من أن تُحتمَل. أنا لم أَخُنْ عهدَنا، بل وَثقتُ “خيبتي” لكي أستعيدَ توازني، ولكي يَعرفَ العالمُ أنَّ في هذا الزمانِ رجلاً ضَلَّ الطريقَ مأخوذاً ببريقِ وَهمٍ، ثم عادَ يَبحثُ عن نَفْسِهِ في سُطورِ الجرائد. اغضبي كما تَشائين، فغَضبُكِ دليلٌ على أنَّ كلماتِي قد لَمستْ مَكامنَ الرُّوح، وأنَّ الحقَّ -وإن كانَ مُراً- لا يَضيعُ مَدادُه.

ولكن يا حبيبتي لا اريدك أن تغضبي من كلماتي، ففي ميزان المنطق والعدل، مَن يزرع الشوك لا يحق له أن يغضب من صرخة الألم التي يطلقها مَن داس عليه.

“على ضِفافِ الصَّمتِ المَسكون.. حكايةُ الغِيابِ ”

أيامٌ مَضتْ، و بيننا صحراءُ ممتدةٌ من الصَّمتِ الجميلِ والمُوجعِ في آنٍ واحد. تيقنتُ اليومَ أنَّكِ لم تَهدمي الجُسورَ لكنَّكِ اخترتِ أن تَختفي خلفَ رداءِ الغِياب، فمَسحتِ صُورتَكِ عن الجميع، وكأنَّكِ تَبحثينَ عن نَفْسِكِ في زحامِ الخيبات. أنا هنا، وأنتِ هناك.. كلانا يَلوذُ بصمتِه، وكلانا يَرقبُ مَدارَ الآخَر من بعيد، دونَ أن يجرؤَ أحدُنا على كسرِ هيبةِ هذا الاعتزال.

يُعزيني يا سيدةَ الروح أنَّني لستُ المطرودَ من جنةِ حوارِكِ وحدي، بل أنتِ مَن اعتزلتِ العالَمَ بأسره. رُبما قرأتِ كلماتي، وشعرتِ أنَّ الكلماتِ أثقلُ من أن تُحتَمل، فآثرتِ الصَّمتَ لعلَّه يلملمُ شتاتَ روحِكِ أو يُواري خجلَكِ من صِدقِ وَجعي. سأظلُّ على عهدي، ثابتاً في وفائي، لن أطرقَ بابَ صمتِكِ بِضعف، ولن أكسرَ هذا النُّبلَ برعونة. سأتركُ للأيامِ أن تَقشرَ غلافَ هذا الغِياب، مُؤمناً بأنَّ الصَّدقَ الذي سَكبتُه في كلماتي سيبقى يَنبضُ في أعماقِكِ، حتى وإن بَقيتِ خلفَ ستار بلا ملامح.

“مَوعدٌ على ضِفافِ الروح.. بينَ الوَعْدِ والمَرايا”

أهيمُ في خيالي نحوَ أرضِ حبيبتي، وأتساءلُ: هل سأجدُكَ هناكَ كما وَعدتِ، أم أنَّ كلماتي قد بَنَتْ بيننا جِداراً من الخجل؟ يُوجعني أن أتخيلَكِ تعتذرينَ عن اللقاء، أو ترفضينَ أن يَجمعنا سماء واحد، هَرَباً من “حقيقةٍ” لِيقرأَها العالَم. هل ستمحينَ وَعدَكِ القديمَ بأن لا تفارقيني لحظة، لأنَّكِ لم تَحتملي صِدقَ نَزيفي على الوَرق؟

أنا لا أذهبُ إليكِ لِأُحاكِمَكِ، بل لِأستردَّ رُوحي التي غَرَقتْ في بَحركِ منذُ أعوام. فإن جئتِ، فليكنْ لِقاؤنا مَغفرةً لِما مَضى، وإن اعتذرتِ، فاعلمي أنَّ قلبي قد أعدَّ لكِ مئةَ عذر، لأنَّني أُحبُّكِ بِنُبلٍ يَجعلني أقبلُ ببردِ جفائكِ على أن أرى في عَينيكِ ذُلاً أو كَسراً. سأبقى ذاكَ المسافرَ الذي يَحملُ في حقيبتِه “خريطةَ بيتِكِ” وصورةَ مَن غابتْ، مُنتظراً أن يَصْدُقَ الوعدُ.. وتَغيبَ المَرارة.

” الوَفاءِ الأخير.. والرَّجلِ الذي أحبَّ بصِدق”

منذُ أعوام، وأنا أَبني لكِ في قلبي مَدينةً من الياسمين، وأغزلُ من خُيوطِ الشمسِ ثياباً لِأحلامِنا التي لم تَنم. كنتِ أنتِ “البوصلة” التي أضعتُ لأجلِها الطريقَ ورأيتُ في عَينيكِ وَطناً بدِيلاً عن كُلِّ المنافي. لَم يكن حُبي لكِ يوماً عابراً، بل كان دعاءٌ دائمة، ونبلاً بَذلتُ فيهِ أغلى ما يملكُ إنسان: صِدقَه، ووَقتَه، ورُوحَه التي لم تَعرفْ لغيرِكِ وِجهة.

واليوم، وأنا أقفُ في مَهبِّ هذا الصَّمتِ الثقيل، أنظرُ إلى السنينِ التي مَضت بابتسامةٍ حزينةٍ ونبيلة. يُؤلمني أنني بَذلتُ كُلَّ هذا البياض، لِأجدَ نَفْسي وحيداً أرقبُكِ من بعيد، وأتحسَّسُ مَكانَ يدِكِ التي وَعدتني يوماً بأنْ لا تُفارقَني لَحظة. لستِ الظالمةَ يا سيدةَ الرُّوح، ولن أُوجهَ لكِ يوماً نصلَ الاتهام، فقلبي الذي أحبَّكِ أطهرُ من أن يَقسو عليكِ، وأرفعُ من أن يُدنسَ ذكرى جَميلةً بكلمةِ عِتاب.

لكنَّني أبكي اليوم، لا على غِيابِك، بل على ذاكَ النُّبلِ الذي لم يَجدْ مَرفأً يَحتويه، وعلى تِلكَ الوعودِ التي تَهشمتْ تحتَ أقدامِ المسافاتِ والخيبات. أبكي لأنَّني كنتُ المخلص الذي لم يَخُن، بينما كنتِ أنتِ الحُلمَ الذي اختارَ أن يَرحلَ في صَمت. غداً، حينَ تَقْرئينَ هذهِ الكلمات، وتَذرفينَ دُموعَكِ على ما كان، اعلمي أنَّني لم أكنْ أبحثُ منكِ عن اعتذار، بل كنتُ أبحثُ عن “أمانٍ” ضَللتُ طريقَه في زِحامِ صَمتِك.

سأَمضي الآن، حاملاً مَعي ثُقلَ السنينِ وجمالَها، غافراً لكِ بَرودةَ هذا الفِراق، ومُتمنياً لكِ سَلاماً لا يَعرفُه إلا مَن أحبَّ مِثلي. سأعودُ غريباً عنكِ، مَسكوناً بكِ، وحاملاً نُدوباً هي في عُرفِ العُشاقِ أوسمةُ شَرَف. سلامٌ على رُوحكِ التي سكنتني، وسلامٌ على قَلبي الذي سيبقى يَذكرُكِ بِنُبلٍ.. حتى يَنقضيَ الأنين.

قد يعجبك ايضا