إعداد ـ التآخي
يعد الرأي العام أحد الركائز الأساسية التي تستند إليها الحكومات بخاصة في الأنظمة الديمقراطية، لاتخاذ قرارات التدخل العسكري. فالحرب ليست مجرد قرار تقني أو عسكري، بل هي قرار سياسي يتطلب “حاضنة شعبية” لاستدامته وتسويغ تكاليفه البشرية والمادية.
يعمل الرأي العام كـ “بوصلة” أو “كابح” لصناع القرار بوساطة عدة مسارات، اذ ان الحكومات بحاجة إلى دعم شعبي للحصول على تفويض من البرلمان أو لضمان عدم خسارة الانتخابات المقبلة. التدخل العسكري من دون غطاء شعبي قد يؤدي إلى سقوط الحكومة أو احتجاجات واسعة.
وتؤدي وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي دورا في توجيه الرأي العام عبر عرض صور المعاناة الإنسانية، مما يضغط على الحكومات للتدخل “لأسباب إنسانية” (كما حدث في الصومال في التسعينات).
يبدأ الرأي العام بالتحول ضد التدخل العسكري بمجرد ارتفاع عدد القتلى في صفوف الجنود، مما يجبر القادة على تغيير استراتيجيتهم أو الانسحاب، الرأي العام يعمل كـ “خط دفاع” يمنع الانزلاق نحو حروب طويلة أو غير مسوغة فإذا أظهرت استطلاعات الرأي معارضة كاسحة، قد يتردد القادة في طرح فكرة التدخل العسكري في البرلمان تجنبا للهزيمة السياسية.
و غالبا ما يرفض الرأي العام إرسال “قوات برية” و لكنه قد يتقبل الضربات الجوية أو الدعم اللوجستي، مما يحد من حجم العمليات العسكرية ويقلل من مخاطر الانخراط الكامل.
و عندما يرى الشعب أن الأهداف غير واضحة أو أن الكلفة باهظة، يضغط لإنهاء المهمة، وهو ما حدث في حرب فيتنام وكذلك العراق، اذ أجبر الضغط الشعبي الإدارات الأمريكية على البحث عن “استراتيجيات خروج”.
في حرب فيتنام انطلقت احتجاجات طلابية وشعبية ضخمة في أمريكا، أجبرت الولايات المتحدة على الانسحاب التدريجي وإنهاء الحرب، و التدخل في سوريا (2013) لقي معارضة شعبية وبرلمانية واسعة في بريطانيا وأمريكا للضربات الجوية، و تراجع الرئيس أوباما عن توجيه ضربة عسكرية مباشرة بعد اخبار استعمال الكيماوي في الحرب.
ان التوترات (2025-2026) تزيد القلق الشعبي من التورط في نزاعات إقليمية كبرى، فتميل الحكومات لاستغلال “العقوبات الاقتصادية” أو “الحرب السيبرانية” او العمليات الخاطفة بدلا من المواجهة المباشرة الممتدة.

أحيانا تلجأ الحكومات إلى “صناعة الموافقة” بتصوير التدخل كضرورة للأمن القومي أو كواجب أخلاقي لمنع إبادة جماعية فيجري تنفيذ عمليات عبر قوات خاصة أو طائرات من دون طيار بعيدا عن الأضواء لتجنب الجدل الشعبي.
وكلما زاد الوعي الشعبي بتكاليف الحرب ومخاطرها، تقلصت قدرة الحكومات على اتخاذ قرارات عسكرية متهورة، مما يسهم في تجنب نزاعات قد تؤدي إلى كوارث إنسانية أو اقتصادية.
في الوضع السوري عام 2013 وبعد تقارير عن استعمال أسلحة كيميائية في الغوطة، استعدت القوى الغربية (بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا) لشن ضربات جوية تأديبية ضد الحكومة السورية، كانت السفن الحربية في مكانها، والخطابات السياسية تصاعدت بشكل يوحي بأن الهجوم سيحدث في غضون ساعات، ولكن الرأي العام البريطاني كان ما يزال يعاني من “عقدة حرب العراق”؛ لم يثق الناس في التقارير الاستخباراتية وكانوا يخشون الانجرار إلى حرب برية أخرى.
و تحت ضغط الناخبين، اضطر رئيس الوزراء آنذاك (ديفيد كاميرون) لعقد جلسة طارئة للبرلمان للتصويت على التدخل، و في خطوة غير متوقعة، صوّت البرلمان البريطاني بالرفض. كانت هذه المرة الأولى منذ عام 1782 التي يرفض فيها البرلمان البريطاني طلبا للحكومة بالمشاركة في عمل عسكري.
و بعد رفض بريطانيا، شعر الرئيس الأمريكي باراك أوباما بضعف الشرعية الدولية للضربة، و أظهرت الاستطلاعات في أمريكا أن أكثر من 60% من الأمريكيين يعارضون التدخل العسكري المباشر، و بدلا من إصدار أمر مباشر، قرر أوباما فجأة طلب موافقة الكونغرس؛ ومع تزايد الضغط الشعبي على النواب عبر الاتصالات والرسائل، أصبح من الواضح أن الكونغرس سيرفض الضربة أيضا.
عن طريق منع هذا التدخل، جرى تجنب عدة مخاطر محتملة وفقا للمحللين السياسيين، منها منع الصدام العسكري مع حلفاء الحكومة السورية (مثل روسيا وإيران) في ذلك الوقت، كما ان الضغط الشعبي أجبر القادة على البحث عن بديل، مما أدى لاتفاق (روسي-أمريكي) لاحق لتفكيك الترسانة الكيميائية السورية من دون إطلاق رصاصة واحدة.
و خشية الرأي العام من تكرار “انموذج ليبيا” وكذلك العراق (سقوط الدولة ودخولها في فوضى) جعلت القادة يعيدون التفكير في عواقب إسقاط النظام عسكريا.
الرأي العام الفعال
لا ينجح الرأي العام دائما، لكنه يكون فعالا جدا إذا توفرت عدة شروط منها، عندما يدرك الناس أن الحرب ستؤثر على الاقتصاد أو تؤدي لقتلى بصفوف أبنائهم، و إذا لم يقتنع الشعب أن بلده في خطر مباشر، يميل لرفض التدخلات الخارجية، ويتمثل ذلك في قدرة السكان على تنظيم حملات ضغط سريعة تصل لصناع القرار مباشرة.

عندما وجد القادة السياسيون أن الرأي العام أصبح “عائقا” أمام الحروب التقليدية الكبيرة، لم يتوقفوا عن التدخل، بل قاموا بـ “تغيير شكل التدخل” ليكون أقل وضوحا وأقل كلفة بشرية، وبالنتيجة أقل إثارة للغضب الشعبي.
يجري إدارة ما يسمى “الحروب النظيفة” والاعتماد على الطائرات المسيرة، اذ تعد الطائرات من دون طيار الحل السحري للحكومات لتجنب “حساسية الخسائر”، وبما أن الطائرة تدار عن بعد، فلا يتواجد خطر من عودة جنود في توابيت ملفوفة بالعلم، وهو المشهد الذي عادة ما ينهي الدعم الشعبي لأي حرب، والعملية أرخص بكثير من تحريك جيوش كاملة، مما يجعلها تمر بعيدا عن الرقابة الصارمة لميزانيات الحروب في البرلمانات.
و بدلا من إرسال جيش وطني، تلجأ الدول لاستخدام شركات أمنية خاصة (مثل “فاغنر” أو “بلاك ووتر” سابقا)، و إذا قُتل متعاقد خاص، فإنه لا يحسب ضمن الخسائر الرسمية للدولة، ولا يثير عواطف الجمهور بالطريقة نفسها التي يثيرها مقتل جندي نظامي. تمنح هذه الطريقة الحكومات قدرة على “الإنكار المعقول” أمام الرأي العام الدولي والمحلي.
كما تجري عملية ادارة الحروب السيبرانية وهذا هو النوع “الصامت” من التدخلات، لا يشعر به الرأي العام إلا بعد فوات الأوان، و يمكن لدولة أن تشل محطات طاقة أو أنظمة مصرفية لدولة أخرى من دون تحريك جندي واحد، و من الصعب على الجمهور التظاهر ضد “هجمة برمجية” غير مرئية بالحماس نفسه الذي يتظاهرون به ضد قصف المدن.
وبدلا من التدخل المباشر، تقوم الدول الكبرى بتسليح وتدريب جماعات محلية أو حلفاء إقليميين للقيام بالمهمة، و النتيجة: تتحقق الأهداف السياسية للدولة المتدخلة، فيما تظهر الحرب في الإعلام وكأنها “نزاع محلي داخلي” لا علاقة للرأي العام الغربي به.
اليوم، انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه أداة “مساعدة” إلى كونه “محركا” أساسيا في التخطيط للحروب وفي محاولة توجيه الرأي العام لتقبلها أو رفضها.
تستعمل الحكومات وأجهزة الاستخبارات خوارزميات الذكاء الاصطناعي لمراقبة وسائل التواصل الاجتماعي في الوقت الفعلي: قبل القيام بأي تحرك عسكري، يجري تحليل ملايين التغريدات والمنشورات لمعرفة رد الفعل الشعبي المتوقع. و يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤ باحتمالية اندلاع مظاهرات في مدينة معينة ردا على قرار سياسي، مما يسمح للحكومة بتعديل خطابها أو توقيت العملية.
يستغل الذكاء الاصطناعي “لخلق” مسوغات للحرب أو لتشويه صورة الخصم بإنتاج مقاطع فيديو مزيفة لزعماء أو جنود يرتكبون انتهاكات، مما يثير غضب الرأي العام ويخلق ضغطا شعبيا فوريا للتدخل العسكري، وتسهم ما تسمى كتائب الذباب الإلكتروني بحسابات آلية تديرها برمجيات ذكاء اصطناعي فتقوم بنشر آلاف التعليقات المؤيدة لقرار الحرب، مما يوهم الفرد العادي بأن “الجميع يوافق على هذا القرار”، وهو ما يعرف في علم النفس بـ “التأثير الاجتماعي”.
كما يمكن استغلال الذكاء الاصطناعي في “أرض المعركة” (التدخل المباشر)، و بعيدا عن الرأي العام، اذ دخل الذكاء الاصطناعي في صلب العمليات العسكرية: هناك أنظمة ذكاء اصطناعي (مثل نظام “Gospel” الذي جرى الحديث عنه في النزاعات الأخيرة) قادرة على تحليل البيانات الضخمة لتحديد آلاف الأهداف العسكرية في وقت قياسي، وهو ما يتجاوز قدرة البشر بآلاف المرات.
ويجري استعمال أسراب الطائرات المسيرة بدلا من طائرة واحدة، يجري إطلاق مئات الطائرات التي تتواصل مع بعضها عبر الذكاء الاصطناعي لتنفيذ هجوم منسق من دون تدخل بشري مباشر.
عندما تكون الحرب “آلية” وبلا جنود بشر، قد لا يشعر السكان بالقدر نفسه من المسؤولية الأخلاقية، مما يجعل الحروب أسهل في البدء وأصعب في الإنهاء.
في النزاعات الحالية (مثل حرب أوكرانيا وعملية اعتقال الرئيس الفنزويلي، وغيرها)، يستعمل الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الأقمار الصناعية، وتشفير الرسائل، وحتى في شن هجمات سيبرانية منسقة. لقد أصبحنا في عصر “الحرب الخوارزمية”.
جهود الامم المتحدة لمواجهة الحروب الالكترونية
تبذل الأمم المتحدة جهودا حثيثة لمحاولة وضع قوانين تحد من استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب، ولكنها تواجه “سباقا مع الزمن” نظرا للسرعة الفائقة التي تتطور بها هذه التقنيات مقارنة ببطء الإجراءات القانونية
يتبنى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، موقفا حازما يطالب فيه بحظر “أنظمة الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل” (LAWS) التي يمكنها اختيار الأهداف وقتلها من دون تدخل بشري. الهدف هو التوصل إلى معاهدة دولية ملزمة قانونا بحلول نهاية عام 2026، و تضغط الأمم المتحدة لاعتماد مبدأ يضمن بقاء “الإنسان في الحلقة” بحيث لا يُسمح للآلة باتخاذ قرار “الحياة أو الموت” بشكل مستقل أبدا.
وبرغم هذه المساعي، تواجه الأمم المتحدة تحديات هيكلية وسياسية تجعل مهمتها صعبة، من ذلك غياب التوافق الدولي، الدول الكبرى (مثل الولايات المتحدة، روسيا، والصين) ترفض حتى الآن حظرا شاملا، وتفضل “مدونات سلوك” غير ملزمة، رغبة منها في عدم خسارة السباق التكنولوجي.
و الذكاء الاصطناعي يتطور أسرع من قدرة الدبلوماسيين على صياغة القوانين؛ ما يجري الاتفاق عليه اليوم قد يصبح قديما غدا.
و مؤخرا في مطلع عام 2026، شهدنا موجة من التوترات الدبلوماسية (مثل انسحاب الإدارة الأمريكية من بعض هيئات الأمم المتحدة واتفاقيات دولية)، مما يضعف قدرة المنظمة على فرض معايير عالمية موحدة.
إذا ارتكب نظام ذكاء اصطناعي “جريمة حرب”، فمن المسؤول؟ (القائد، المبرمج، أم المصنع؟). تسعى الأمم المتحدة لتحديد أطر قانونية واضحة لهذا التعقيد، ويجري العمل على إلزام الدول بالإفصاح عن معايير الأمان في أنظمتها العسكرية لمنع وقوع “حوادث تقنية” قد تشعل حروبا غير مقصودة.
القانون الدولي ينظم حركة الجيوش والأسلحة، ويحاول الآن تعريف “الخوارزمية” كسلاح، فيما الرأي العام يتفاعل مع صور القتلى والدمار، وهو بحاجة للوعي بكيفية “التلاعب، و تقول الأمم المتحدة “لا يمكننا ترك مصير البشرية للخوارزميات”؛ هذا الشعار يلخص جوهر الصراع الحالي بين الرغبة في التطور العسكري وضرورة الحفاظ على القيم الإنسانية.
في عصرنا الحالي، أصبح “وعي المواطن الرقمي” هو خط الدفاع الأخير ضد محاولات جر الشعوب نحو صراعات مبنية على معلومات مضللة.
وللنجاة من تضليل الذكاء الاصطناعي ينصح بما يأتي: إذا رأيت خبرا صادما عن تدخل عسكري، ابحث عنه في ثلاث جهات مختلفة تماما (مثلا: وكالة أنباء رسمية، وسيلة إعلام مستقلة، ومراسل ميداني معروف)، إذا لم تتطابق الخطوط العريضة، فالخبر مشكوك فيه، فالذكاء الاصطناعي ينتج صورا مبهرة، لكنها غالبا ما تترك “آثارا” يمكن ملاحظتها بالعين المجردة: التشوهات الصغيرة، ابحث عن تفاصيل غير منطقية في أطراف الصور، مثل عدد الأصابع، أو تداخل النظارات مع الوجه، أو كتابات غير مفهومة على لافتات في الخلفية. و في شرائط (فيديوهات) “التزييف العميق” غالبا ما تظهر حركة الفم غير متناسقة تماما مع نبرة الصوت، أو تكون حركة العينين غير طبيعية (قلة الرمش).
و إذا شعرت برغبة عارمة في مشاركة خبر ما لأنه “أغضبك” جدا، انتظر 30 ثانية، اسأل نفسك “من المستفيد من انتشاره؟”، غالبا ما تكون الأخبار المزيفة مصممة لتعطيل تفكيرك المنطقي واستفزاز مشاعرك.
بما أن الخصم يستعمل التكنولوجيا، يجب أن تستعملها أنت أيضا: استخدم محركات البحث (مثل Google Images) لترى ما إذا كانت الصورة قديمة أو جرى استعمالها في سياقات أخرى من قبل، و تابع المواقع المتخصصة في كشف الزيف (مثل FactCheck أو المبادرات العربية مثل مسبار وتأكد).
و الحقيقة هي أن الرأي العام القوي والمستنير هو وحده القادر على كبح جماح الحروب غير المسوغة، في الماضي كان الجندي يدافع عن الحدود، أما اليوم فالمواطن الواعي يدافع عن “الحقيقة” التي هي أول ضحية في أي حرب، الوعي هو السلاح الذي لا يمكن لأي خوارزمية هزيمته.