سماح عادل
حياتها..
الفنانة التشكيلية الراقية (بهيجة نوري مهدي الحكيم) من مواليد 1937 أكملت دراستها في ثانوية العظمية عام 1952، وتخرجت من كلية الملكة عالية/ فرع الفن عام 1957، قامت بتدريس الفن في عدد من مدارس كربلاء ومنها دار المعلمات والفنون البيتية وثانوية الوحدة ومعهد المعلمات في بغداد الكرخ وفي ثانوية الخنساء في البصرة. وذلك من عام 1957 إلى عام 1981. وأصبحت مديرة لمتحف الفنانين الرواد – بغداد منذ عام 1982 إلى عام 1994. ولها العديد من المعارض الشخصية داخل وخارج العراق فضلا عن مشاركاتها المتواصلة في أغلب المعارض التي أقيمت في داخل وخارج العراق.
نصوص للأمل والحياة..
في مقالة بعنوان (بهيجة الحكيم بعد 8 أعوام من الرحيل) كتب (فائز جواد): ((تعد أكثر فنانة اشتهرت برسوم الطبيعة والورود والأزهار والرياحين وتميزت لوحاتها بالتماثيل والتشابه وبزخرفية عالية تسمح للفضاء أن يتنفس في حدائقها الغناء، فتمحورت لوحاتها وتفردت بالألوان من تلك الأزهار التي زينت مرة بالفضة ومرة أخرى بالذهب وبألوان عدة تبهج النفس قبل التمعن بها.

وكان للحكيم دور كبير في الفن التشكيلي العراقي المعاصر حيث وجدت العديد من الأعمال الفنية واقترحت أشكالا فردوسية كما أن لها القدرة على أن تحلم وتتأمل في عالم الروح خارج حدود اللعبة الملكية فتستعين بالرسم لأجل الارتقاء بحواس المتلقي وانطلاقا من عين القلب إلى الصمت ومناطق الجمال والمثال. محاولة أن تبوح بالمستحيلات التي طالما عشقها الفنان العراقي والمهتم بمسألة تحرير أشكاله من أصنام البعد المكاني لصالح الفضاء المفتوح)).
امتداد للرائدات..
ويقول عنها رئيس جمعية التشكيليين العراقيين الفنان (قاسم سبتى): ((الحكيم التي رحلت ومازالت ورودها تنبض بالروح والروائح الزكية معلقة على الجدران لتعلن استمرار الحياة، سبق أن هاجرت إلى عمان حالها حال آلاف المثقفين العراقيين المغادرين هربا من الأوضاع الأمنية التي مرت بالبلاد، وخاصة في السنوات التي تلت عام 2003 وبعد صراع مع المرض استمر ثمانية أشهر، إثر إصابتها بجلطة دماغية أدت إلى شلل حركي ما أدى إلى وفاتها)).
ويواصل: ((تعد الحكيم التي ولدت في مدينة كربلاء نهاية ثلاثينيات القرن الماضي امتداداً لجيل الرائدات العراقيات في مجال الفن التشكيلي، كما شغلت أعمالها قاعات مركز بغداد للفنون وقد سرقت أعمالها الكبيرة التي كانت تزين أروقة وزارات الخارجية والإعلام ودوائر وقصور الرئاسة، كما نهب الكثير عشية دخول قوات الاحتلال إلى بغداد 2003 وكما هو معروف فإن الراحلة أسهمت في إطلاق حركة نسائية مميزة على صعيد الفن التشكيلي في العراق، وقد تميزت بحبها لرسم الورود.
وسعت في أغلب نتاجاتها الفنية الأخيرة في البحث للفن بحدود عالم النبات مثلما كان جلجامش يسعى عبر الظلمات في الحصول على نبتة الخلود، فالفنانة مشغولة بتكثيف أحاسيسها الداخلية إلى أفكار وتصورات وأشكال ضمن حركة جنينية تمنح الروح للمرئي، ومتأثرة بنتاجات الفنون الإسلامية من تزويقات ونقوش في الفنون الزخرفية والفنون المعمارية إلى جانب ما يحويه الأدب والشعر من موروث ثقافي وحضاري وفولكلوري، كما في قصص (ألف ليلة وليلة) فإن السرور والأحلام قد ترجمتها الفنانة إلى لغات بصرية تؤسس عالم جديد من الأشكال مؤكدة بذلك على أن الرسام يجب أن يطلب في الرسم الإيماء أكثر من الوصف كما في الموسيقى)).
زهرة الفن..
في مقالة بعنوان (بهيجة الحكيم زهرة الفن التشكيلي العراقي) كتبت، (سمر منير): ((منذ صغري ارتبطت عيني بجمال شكلتهُ يديها، كنت أجهل من تكون ولا أدرك حقاً مدى احترافها وشهرتها، لكني أحببت بعيون طفلة ألوانها التي كانت تزين عدة لوحات على جدران بيتنا، وكانت معظمها هدايا شخصية لوالدي بحكم معرفتهما الشخصية بها، كنت أبصر آنذاك في تلك اللوحات فرحاً وكأن هناك نغماً موسيقية ما تشدك نحو هذا الجمال..
وبحكم عمل والدي وهذهِ كانت من أجمل النِعم في حياتنا التقينا منذ الصغر بشخصيات نحتت في شخصنا أجمل الذكريات، في يوم ما أخذني والدي معهُ لأحد المعارض الفنية وأنا الطفلة الصغيرة التي لا تزال تجهل لغة الكبار فما بالك بمجتمع ومكان فيه النخبة من مثقفي العراق، فرأيت أمامي سيدة جميلة قوية بابتسامة تعطيك فرح لا تعرفه فيها شيء من أمي ربما ووجها الطيب أوحى لي بشبه ما لا أعرف، ثم فهمت بعدها أن هذهِ السيدة هي صاحبة اللوحات التي أحبها في بيتنا، كانت تشبه زهورها. فيها بريق ما من تلك المرايا التي تناثرت في بعض من لوحاتها)).

وتضيف: ((هي بهيجة الحكيم امرأة عراقية ترى في عينيها روح الحضارة السومرية وتُبصر من ما صنعتهُ يديها حضارة فرح لم يعرف الفن التشكيلي العراقي بساطة وعمق، يأخذك نحو سعادة فردوسية هو شعورك عندما ترى لوحاتها التي تلتمس فيها رقة أنثوية وتألق متجذر في الحياة.
في طفولتها كانت تسجل ذاكرتها الفوتوغرافية كل ما تتأثر بهِ من أحداث وألوان فنسجت مخليتها من القباب الذهبية والفيروزية وقطع القماش الأخضر الذي عقدهُ المؤمنون بالذهبي، كلوحة أغنت ذاكرة تلك الطفلة التي سعت بكل قواها نحو حلمها البعيد، لتمتزج كل تلك الألوان بذاكرة بيضاء وتنسج أبداع موهبتها في زمن آخر.
يُذكر أنها كانت تقول دائماً أحببت المرايا منذ صغري فكانت تجمع قطعها من هنا وهناك وتضعها في دفاترها ليصبح أجمل وبعد سنين أصبح أحد أهم مميزات لوحاتها)).
وتؤكد: ((أصبح للفنانة بهيجة الحكيم موروث كبير وغني جداً من الأعمال واللوحات الفنية الرائعة والتي ترى في أغلب نصوصها مبعث فرح وأمل وأحلام جميلة، تحاكي تأريخ أنوثة ووطن من أسمى القمم الجمالية وأبسطها في ذات الوقت.
لتنطلق فنانتنا من عالم النبات المتواضع ومفردتها (الوردة) في رحلتها نحو القيم الجمالية التي ما أن تراها حتى تأسر العين والقلب، وتأخذك نحو الذات المقدسة وطيوفها اللونية، وبالإضافة للألوان هناك سحر خاص لقطع المرايا التي كانت تزين الكثير من لوحاتها، وفي بعض لوحات أخرى كانت تصوغ وتزين بالفضة والذهب لتضيف إلى اللون معادن تغني ألوان وتجعله حقيقياً مرتبطاً بخير الأرض الذي أحبته وأحبت بريقه.
ويقال أنها اتخذت من الوردة قضية فنية كرست لها معظم لوحاتها لأنها استوحت من بساتين كربلاء المقدسة وجعلت الوردة بوابة دخول ل بوابة مغادرة إلى تلك المدينة وحضورها الدائم في مخيلتها، فضلاً على أنها كانت دائمة التنقيب عن أسرار الورود وعطوره وتكويناته الزهرية التي تعد رسوما شعرية لا تتقصد فيها أن تحاكي الذاكرة الطفولية الغنية الخضراء (في مدينة كربلاء المقدسة) لكنها كانت تحاكي الدلالات الأنثوية بسياقات جمالية جديدة فتزين زهراتها بالحلي والألوان لتصبح كأميرة تأسرك بجمالها وأناقة حرفتها عين ناظريها وهي بذلك كشاعر يُعبر عن مشاعره بالكلمة)).
وفاتها..
توفت (بهيجة الحكيم) بعد صراع لها مع المرض في 11/11/ 2008 في المملكة الأردنية الهاشمية.