سلفنة الوعي المجتمعي

سمير السوره ميري

الجهل ليس فراغا معرفيا، كما أن الوعي ليس مجرد مفهوم معرفي مجرد، بل كلاهما بنية ذهنية وإجتماعية تتجسد آثارها في سلوك المجتمع وإتجاهاته، ففي مجتمعات الجهل تتشكل الذهنية العامة وفق آليات إرثية تقليدية منحازة، وتوظفها السلطات الحاكمة بوصفها أدوات وأساليب لضمان الإستمرارية والبقاء .
وعبر التاريخ اخلتفت الأساليب باِختلاف طبيعة الحاكم مُستغلةً الإرباكات التاريخية المنقولة وفق الناقل وتأويلاته، هذا التراكم من الخيبات أسهم في تغيب الوعي الجماعي، وحصره في مأزق اللاوعي، حيث يغوص الإدراك في وحل التشويش، ويربك العقل بممارسات لا تمت إلى الحقيقة بصلة، لكنها تُستحتن من قبل إدراك ناقص، مقيّد بغشاوات موروثة، وهكذا يدور الوعي في حلقة مفرغة، ويتقوقع داخل بودقة الغفلة، فيما يُبعد العقل المُعاق عن فضاء الوعي الحقيقي.
وحين يفقد المجتمع اتزانه ، يتحول الوعي من حالة إدراك متوازن إلى قلق مجتمعي دائم، فالمجتمع القلق هو مجتمع حادٌ المزاج مضطرب ردود الأفعال، يعاني من آفة الجمود التي أصابت إدراكه، نراه يتقلّب بين النقيضين بحدة، ويصعب تصنيفه ضمن سمات مستقرة، غير أن السمة الغالبة عليه تبقى التوتر الملازم، الذي يدفعه إلى الإنزلاق نحو أسفل التل والبقاء في دوائره الضيقة، بل يشذّ حتى في القيم الحسنة والنبيلة، لا بوصف ذلك فضيلة أخلاقية، بل تعبيرا لاشعوريا عن ألم داخلي وإسفاف في العقل.
إن تغيب العقل والفكر يُنتج اللاوعي، وهو السمة الأبرز في أيديولوجيات المجتمعات التي شُوّه وعيها وسقِم إدراكها الجمعي، وهذا الواقع يخدم مصالح الفئات المتسلطة على حساب الوطن والمواطنة، فسلفنة الوعي المجتمعي بمنظورها الضيق، الناتج عن التراكم التاريخي للمغالطات والأرهاصات الخيالية، كانت ولا تزال كفيلة بضمان استمرارية السلطات الفئوية الجاثمة على مقاليد الدولة.
إن تهذيب الفكر وصقل الإدراك وتنقية الوعي من الإرجازات الإرثية البالية، تمثل شرطا أساسا لارتقاء الوعي المجتمعي، وخطوة جوهرية في طريق بناء الدولة.

قد يعجبك ايضا