صورة الكورد في الإعلام البريطاني

أ.د.خليل مصطفى عثمان

على مدى القرن العشرين، كانت قضية الكورد في الشرق الأوسط محور اهتمام سياسي وإنساني، ولم تكن الصحافة البريطانية مجرد ناقل للأخبار، بل كانت شريكًا في صياغة الصورة التي وصل بها الكورد إلى العالم. وقد شهد الخطاب الإعلامي تحولات متتابعة تعكس التوازن بين المصالح السياسية البريطانية ووعيها بحقوق الشعوب.

باختصار، يمكن القول إن الخطاب البريطاني عن الكورد انتقل من أداة استراتيجية، إلى مشكلة أمنية، إلى اعتراف ثقافي، ثم تعاطف إنساني، وأخيرًا إلى إدراك جزئي لوضعهم كشعب بلا دولة. وكل مرحلة من هذه المراحل تعكس رؤية مختلفة للعالم، وللعلاقات الدولية، وللموقف البريطاني تجاه الشرق الأوسط.
الكورد كأداة استراتيجية
في العقدين الأولين من القرن العشرين، نظرت الصحافة البريطانية إلى الكورد من زاوية المنفعة الجيوسياسية. كانت القبائل الكوردية تُرى كخط دفاع طبيعي على حدود الدولة العراقية الناشئة، أو كوسيلة لضمان استقرار المناطق الشمالية، دون أي اعتبار لرغبات الشعب الكوردي في الحكم الذاتي أو الدولة المستقلة.

> “The Kurdish tribes inhabit the mountainous frontier regions which are of considerable strategic importance to the stability of Iraq.”
«تسكن القبائل الكردية المناطق الجبلية الحدودية، وهي مناطق ذات أهمية استراتيجية كبيرة لاستقرار العراق.»
اقتباس من The Times، 1921.

في هذا السياق، لم يكن الكورد فاعلين سياسيين، بل أدوات ضمن استراتيجية استعمارية أوسع.

الكورد كمشكلة أمنية
مع تصاعد الثورات والانتفاضات الكوردية، أصبح الخطاب البريطاني يراهم كـ تهديد للأمن والنظام. ركزت الصحف على الجانب العسكري للأحداث، وغابت أسباب المطالب السياسية أو التاريخية.

> “The Kurdish rebellion poses a serious challenge to law and order in northern Iraq.”
«يشكّل الثورات الكوردي تحديًا خطيرًا لسيادة القانون والنظام في شمال العراق.»
اقتباس من The Daily Telegraph، 1924.
هكذا، تحوّل الكورد من حلفاء محتملين إلى “مصدر اضطراب”، مما شرعن القمع العسكري في نظر الإعلام البريطاني.

الكورد كأقلية ثقافية
بعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت صحف مثل The Guardian وThe Observer بأسلوب أكثر اعترافًا بالهوية الكوردية، لكنها اقتصرت على البعد الثقافي: اللغة، والعادات، والتقاليد.
> “The Kurds remain a distinct cultural group, denied the right to express their language and traditions freely.”
«لا يزال الكورد جماعة ثقافية متميزة، محرومة من حق التعبير عن لغتها وتقاليدها.»
اقتباس من The Guardian، 1967.
هنا، يظهر التقدّم الظاهر في التعاطف، لكنه محدود، ولا يشمل حقوقهم السياسية.

الكورد كضحايا سياسات القمع
مع الثمانينيات، بدأ الإعلام البريطاني التركيز على الأبعاد الإنسانية لمعاناة الكورد، خاصة بعد العمليات العسكرية في العراق وتركيا.

> “Entire Kurdish villages have been destroyed, leaving thousands displaced in what amounts to a humanitarian catastrophe.”
«دُمِّرت قرى كوردية بأكملها، ما أدى إلى تشريد الآلاف في ما يرقى إلى كارثة إنسانية.»
اقتباس من The Observer، 1988.
هذا الخطاب أظهر الجانب الإنساني، لكنه ظل قصير المدى، ولم يترجم إلى دعوات سياسية واضحة.

الكورد كشعب بلا دولة
أندر هذه الأنماط، لكنه الأكثر دلالة على جوهر القضية الكوردية: شعب كبير، متوزع بين دول عدة، بلا دولة مستقلة.

> “The Kurds are perhaps the largest nation in the world without a state of their own.”
«يُعدّ الكورد ربما أكبر أمة في العالم لا تمتلك دولة خاصة بها.»
اقتباس من The Economist، 1986.
هنا، يُقدّم الإعلام البريطاني الكورد كشعب تاريخي وحقيقي، لكن توصيفهم يبقى نظريًا، بعيدًا عن المطالب السياسية المباشرة.
يكشف هذا التاريخ الإعلامي عن مدى تأثير الصحافة على تشكيل الصورة الدولية لشعب ما، وكيف يمكن للخطاب الإعلامي أن يعكس مصالح القوى الكبرى، وفي الوقت نفسه يتأثر بالوعي الحقوقي والإنساني.
لقد انتقل الخطاب البريطاني عن الكورد من أداة استراتيجية، إلى مشكلة أمنية، إلى اعتراف ثقافي، ثم إلى تعاطف إنساني، وأخيرًا إلى إدراك جزئي لوضعهم كشعب بلا دولة. هذا التاريخ يعلّمنا درسًا مهمًا: الإعلام ليس مجرد نقل للأحداث، بل أداة لصياغة الواقع السياسي والأخلاقي للشعوب أمام العالم.

قد يعجبك ايضا