نوري جاسم
في المجتمعات التي ما زالت تبحث عن اكتمال الدولة، لا يكون الصراع الحقيقي بين الخير والشر، بل بين الحق والقوة. فالمالك الذي يمتلك سندًا قانونيًا، وقرارًا قضائيًا، وحكمًا نافذًا، قد يجد نفسه أضعف من مغتصب أرض لا يملك سوى الجرأة على خرق القانون، مدعومًا بعلاقات، أو سلاح، أو نفوذ عشائري أو سياسي. وهذه المفارقة المؤلمة تختصر أزمة العدالة في العراق الحديث: فكيف يمكن لمن كسب قضيته في المحكمة أن يخسرها في الشارع؟ القانون في جوهره ليس أوراقًا مختومة ولا مواد جامدة في كتب، بل هو وعد الدولة لمواطنيها بالحماية. فإذا عجز هذا الوعد عن أن يتحقق على الأرض، يتحول القانون إلى نص جميل بلا روح، ويصبح القضاء شاهدًا لا فاعلًا.
في قضايا التعدي على الأملاك، حيث تتجلى هذه الأزمة بأوضح صورها. فكم من مواطن استعاد حقه بحكم قضائي، ثم فوجئ بأن خصمه لا يعترف لا بالقاضي ولا بالحكم، بل يعترف فقط بميزان القوة؟ وكم من شخص تعرّض للتهديد أو الاعتداء لأنه تجرأ على المطالبة بحقه المشروع؟ هنا نصل إلى السؤال الأخطر: هل الدولة تحمي من يلتزم بالقانون، أم تتركه يواجه من يخرقه؟
عندما يُترك المالك وحده بعد صدور الحكم، فإن الدولة ترسل رسالة مدمرة مفادها أن القانون لا يكفي، وأن من يريد حقه عليه أن يحميه بنفسه. وهذه أخطر لحظة في أي مجتمع، لأنها اللحظة التي يبدأ فيها الناس باستبدال العدالة بالعنف، والمؤسسات بالأعراف، والدولة بالعصابات. وفي هذه البيئة، لا يعود التعدي على الملكية جريمة فردية، بل يصبح نظامًا موازيًا: نظامًا يختبر صبر الدولة، ويقيس ضعفها، ثم يتمدد على حسابها. والمالك الذي يُكسر زجاج سيارته، أو يُهدد في الطريق، أو يُجبر على التنازل رغم حكم القضاء، لا يُظلم وحده؛ بل تُهان معه فكرة الدولة نفسها. لأن العدالة التي لا تُنفذ هي شكل آخر من أشكال الظلم. وإن حماية الملكية ليست مسألة عقارية، بل مسألة سيادة. والدولة التي لا تستطيع أن تحمي بيت مواطنها، لن تستطيع أن تحمي وطنه. ولهذا فإن السؤال «من يحمي المالك عندما يعجز القانون؟» ليس سؤالًا شخصيًا، بل سؤال وطني. إما أن تكون الدولة هي الجواب، أو سنجد أنفسنا في غابة، حيث لا يملك الحق إلا من يستطيع الدفاع عنه بالقوة. وهنا، لا نخسر أراضينا فقط… بل نخسر معنى الوطن ذاته.