كبح الشائعات: مسؤولية من؟

جاسم العقيلي

في عصر اختلطت فيه الحقيقة بالزيف، لم تعد الشائعات مجرد حديث عابر، بل أصبحت أزمة معاصرة ، فهي تقوض الاقتصاد، وتزرع الفتنة في المجتمعات. إن مواجهتها لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة حتمية لاستمرار أي مجتمع متماسك. ومع تعدد مصادر المعلومة، تظهر معركة كبح جماح الشائعات كمسؤولية جماعية تشترك فيها كل مكونات المجتمع، ويبدأ الحل من وعي كل فرد منا. فالمستخدم الذي يشارك خبراً مثيراً دون تروٍ، يتحول عن غير قصد إلى ناقل للوباء. كما قال الفيلسوف الفرنسي فولتير: “من يستطيع أن يجعلك تؤمن باللامعقول، يستطيع أن يدفعك إلى ارتكاب اللا أخلاقي”. لذا، فإن تطوير “مناعة ذاتية” لدى المتلقي عبر التحقق البسيط، كالبحث عن المصدر الأصلي أو مقارنة الخبر بوسائل إعلام معروفة بمصداقيتها، هو الدرع الأول في هذه المعركة .

وايضا دور المدرسة والأسرة التي تعد مصنع  المناعة المجتمعية، إن غرس قيم النقد البناء والتثبت من المعلومة يجب أن يكون ركيزة في التربية. فالشابة التي تعلمت في مدرستها كيفية اكتشاف الصور المفبركة، أو الابن الذي ناقش مع أسرته خبراً مثيراً للريبة قبل مشاركته، هم جنود مجهولون في القضاء على الشائعات .

أيضا دور المؤسسات الحكومية في السرعة والشفافية وغالباً ما تنمو الشائعات في فراغ المعلومات الرسمية. عندما تنتشر إشاعة عن أزمة غذاء أو دواء، فإن البيان الرسمي السريع والشفاف من الجهة المعنية، والمصحوب بالبيانات والأرقام، هو أكثر الأدوات فاعلية. كما أن حملات التوعية الحكومية التي تستخدم لغة بسيطة وموجهة عبر وسائل التواصل تعمل كـ “لقاح” للرأي العام ، وكذلك دور الإعلام والتقنيين فهم بوابة التحصين ، بينما يتحمل الإعلام التقليدي مسؤولية التحقق المهني، تظهر أدوار جديدة لشركات التكنولوجيا. فخوارزميات “فيسبوك” التي تضع علامة “محتوى مُشكوك فيه” على المنشورات، أو ميزات “التويتر” التي تدفع المستخدم للاطلاع على مصادر موثوقة قبل مشاركة خبر، هي خطوات عملية –رغم جدلها- في تقييد انتشار الشائعات عند المنبع.

إن كبح الشائعات ليس مهمة مستحيلة، بل هو مشروع مجتمعي متكامل. إنه حصيلة قرار فردي مسؤول، وتربية واعية، ومؤسسات شفافة، وإعلام ملتزم، وتقنيات مساندة. عندما ندرك أن مشاركة الشائعة هي مشاركة في تدمير البنية الاجتماعية والاقتصادية، نتحول جميعاً من مشاهدين سلبيين إلى حراس نشطين للحقيقة. وكما يُقال: “الحقيقة ضوء، والشائعة دخان.. والمسؤولية أن نكون من يوسع النور وليس من ينفخ في الدخان ” .

قد يعجبك ايضا