أفكار في كيفية التعامل مع الثلوج

د. ياسين الزيباري

يعتبر الثلج نعمة من نعم الله على عباده ، و تتنوع هذه النعمة بأنواع كثيرة ، فالمنطقة التي تكثر فيها الثلوج تكثر فيها الخيرات ، حيث يعتبر مصدرا ً من مصادر المياه في المناطق التي لا تــصلها المياه إلاّ بصعوبة ، وكذلك يــعــيــن الثلج على خصوبة الأرض ، فيقتل كثيرا ً من الحشرات ، و الهوام ، ومن ناحية البشر هناك كثير من الأمراض يزيلها البرد القارس الناجم من تساقط الثلوج ، حيث كان بعض القضاة المسلمين يؤجلون الطلاق بين الزوجين حتى تنقضي الفصول الأربعة عليه لبيان مابقي فيه من المرض ، ومن ناحية أخرى فإن َّ الأرض تكتسي ثوبا ً أبيضا ً ناصعا ً ، و أطلق هذا اللون على السيـارات ، والأصباغ ، و الثياب لفئة معينة من الناس ، فيقول : أريد قماشا ً أو ثوبا ً ثلجيا ً ، وفي الشعر أخذ الثلج أهمية كبيرة لدى الشعراء ، ووصف بمعاني عديدة ، كل يصفه بحاله من السـَّـــلب ، و الإيجاب ، و هو رمز للنقاء ، والطهر ، و من مناظر الثلج يستلهمون مشاعر الحب ، و الرومانسية ، ويوصف الحب النقي بالثلج ، ويوصف فراق الحبيب ببرودة الثلج ، و يرمز الثلج للعزة والكرامة ، والفنان التشكيلي كان له دور في لوحاته عن الثلج و بيان مشاعره الصامتة الناطقة ، والثلج يعتبر رمزا ً للسلام والهدوء ، فبعد سقوط الثلج غالبا ً ما نرى طلوع الشمس ، و صفاء الجو ، و في هذا قال الْمَرْزُبَان ( 384 هــــ ) فِي ‌وصف ‌الثَّلج :
أما ترى الثَّلج قد خاطت أنامله … ثوبا يزر على الدُّنْيَا بأزرار
( يتيمة الدهر، الثعالبي (ت 429 هـ) ، 2/ 138 ) ، و قال الشاعر الروزباري في ‌وصف ‌الثَّلج :
أما ترى الأَرْض قد شابت مفارقها … بِمَا نثرن عَلَيْهَا وَهِي لم تشب
نثار غيث حكى لون الجمان لنا … فَاشْرَبْ على منظر مستحسن عجب
جاد الْغَمَام بدمع كاللجين جرى … فجد لنا بِالَّتِي فِي اللَّوْن كالذهب
( يتيمة الدهر، الثعالبي ، 3/ 484 ) وقال الصنوبري ( ت 334 هـــ )
الثلجُ يسقط أم لجينٌ يُسْبَكُ … أم ذا حصى الكافورِ ظَلَّ يُفَرَّكُ
ضحكتْ به الأرضُ الفضاءُ كأنما … في كُلِّ ناحيةٍ بثغركَ تضحكُ
( من غاب عنه المطرب ، الثعالبي ، ص 46 ) ، و من ناحية أخرى يتلذذ كثير من الناس بهذا الموسم فيقصدون تلك الأماكن من مسافات بعيدة ، و يتحملون أنواع الصعاب ، و المخاطر ، و البرد مقابل التمتع بالمناظر الجميلة ، حتى أصبح التزلج على الجليد من الألعاب الرياضية المهمة التي تـــدر ّ ملايــيــــن الدولارات على أهل تلك الديار ، وكذلك تشهد تلك الفترة الألعاب بالكرات الثلجية ، والمعارك الثلجية ، و تصنع عروس الثلج ، ومن ناحية أخرى فإن الثلج له مخاطره ، ومآسيه على البشر ، والمخلوقات الأخرى ، وقد تغلق الطرق ، و ينحبس الناس لأيام عديدة ، لا سيما في ظروف تكتنفها الهجرة ، و العوز ، و الفقر ، و شحة الوقود ، وتحدث حوادث مؤسفة ، ومآســـي في هذا المجال ، فما هو المطلوب للتخفيف عن كاهل الفقراء ، والمسافرين وأصحاب الدواب ، وأهل الرعي ، فنـــوصي ببعض التوصيات في التخفيف من مصائب الثلج ، ومنها :
-إعداد سيارات خاصة ذات الإطارات الكبيرة ، أن تكون في حالة طوارئ وتسير على تلك الطرقات ليلا ونهارا ً ، لكي لا تستقر الثلوج على الأرض .
-إعداد سيارات ذات فوهات طويلة تشطف الثلوج وتلقيها خارج الطرق لعدة أمتار .
-القيام بحملة لرش الملح على الطرقات بالسيارات الخاصة بذلك ، بحيث تعين على إذابة الثلوج .
-توجيه الفرق السياحية الجبلية والرملية ، أصحاب السيارات في المسابقات الخاصة لتسلق الجبال والكثبان الرملية ، والمناطق الوحلية الخطرة ، أن يهبــّـــوا للحركة الليلية النهارية بالسير في هذه الطرق لمنع ثبات الثلوج ، ومنع تزحلق السيارات الصغيرة ،
-تثبيت فرق دفاعية بين منطقة وأخرى المتمتعة بوسائل مهمة والتي تكون جاهزة للإنقاذ .
-توجيه الناس بالإرشادات الجوية وأوقات سقوط الثلوج ، والقيام بحملات إعلامية من قبل شرطة المرور ومنع الحركة في المناطق التي يعتقد تعرض المسافرين للمخاطر .
-تحضير الطائرات الخاصة الإسعافية ،والإنقاذية لإنقاذ من سدت بوجهه السبل ، فالبشر أغلى من كل شيء ، و كثيرا ً ما نرى في بعض الدول حينما تنحصر هــِـــرة في قمة جبل عال ترسل طائرة مع طاقم طبي لإنقاذ تلك الهرة ، فلماذا لا نستــعد لإنقاذ عشرات من البشر الذين أغلق الثلج طريقهم ، ومن المواقف و المشاعر التي نعــتــزّ بها من أبناء جلدتنا أن شخصا ً كورديا ً إستضاف مجموعة من السواق الأتراك الذين حوصروا في منطقة مابين خليفان ، و رانية في شتاء مابيـن ( كانون الأول من عام ( 2025م ) و كانون الثاني من عام ( 2026 م ) ، وذلك لعدة أيام ، في بيته وبكل رحابة صدر ، وهذا هو الكرم الحقيقي سد الحاجة في وقت الحاجة ، وحالة أخرى لشابين من عشيرة الزيباريين في منطقة وادي نهلة في نفس الفترة ، حيث ذهبوا بقصد التصوير والتسلية ، خارج القرية ، و يرون رجلا راعيا ً ملقى على الأرض لاحركة له من البرد والثلج فحملاه ، على الأكتاف بالتناوب حتى أوصلوه إلى القرية ، ولعدة كيلومترات و أنقذوه من الموت .
من أجل كل ذلك يستحب أن يتحول الثلج إلى فرح ، وخير لا إلى هلاك ونقمة . والله من وراء القصد .

قد يعجبك ايضا