نزيف الكلمات

القسم الثالث عشر

دلزار اسماعيل رسول

“مرافئُ الطفولةِ وظِلالُ الخَيبة”

على عتبةِ الرابعةَ عشرة من عمري، كان العالَمُ رغيفاً من الأمان…

وكان “بيتُ جدتي” هو الكونَ الذي لا يضيق.

هناك، حيثُ الركنُ البعيد، ورائحةُ الورقِ العتيق، و رائحة تبغ جدي.

كانت السعادةُ تنبعُ من بئري الخاص، لا تستجدي قبلاً ولا تنتظرُ رداً.

كنتُ مَلِكاً في “كهفي” البسيط، أقتاتُ على الخيال….

وأهيمُ في ملكوتِ الكتبِ التي لم تخذلني يوماً بكلمةِ غدرٍ أو نكران.

كبرتُ.. يا ليتني ما كبرت!

غادرتُ دفءَ الركنِ لأبني قصوراً من الأوهامِ على ضفافِ روحي…

وظننتُ أنَّ “حباً” ولدَ في قلبي سيكونُ هو الملاذ.

فإذا بي أهدمُ مِحرابَ خلوتي، لأبني ضريحاً لكرامتي تحتَ الاقدام ..

يا وجعي الذي صار “انقباضاً” لا يرحم..

أشتهي اليومَ ريحةَ ذاك البيت، وهدوءَ ذاك الصبيِّ الذي كنتُه.

أريدُ أن أنتزعَ قلبي من مَخالبِ وخداعِ الصورِ وبرودةِ المسافات…

لأعودَ إلى مَن كنتُه.. وحيداً، ومكتفياً، وحراً.

أبكي اليومَ فَقداً لها، وايضاً فَقداً لنفسي التي ضاعت في الزحامِ

يا قطراتِ الدمعِ التي تنهمرُ الآن كالمطرِ …

سأعودُ إلى “كهفي” القديم، سأغلقُ الأبوابَ على خيبتي…

وأوقدُ شمعةً من رمادِ سنواتي الضائعة..

فما نفعُ الدنيا إذا لم املك فيها “جمالَها”، وخسرتُ فيها ايضا.. “نفسي”…

اريد ان اقول لنفسي ذو الأربعة عشر ربيعا….أنا آسف لأني أخذتك إلى أماكن لا تشبهك….. وأعدك أنني سأعيدك إلى بيت الجدة، حيث الأمان والهدوء والقيمة النابعة من الداخل…

“صَومُ الرُّوحِ عَن حَميمِ السَّراب”

فوقَ سُجادةِ العُمر، وفي رُكنٍ هادئٍ من ذاكرتي….

ما زال ذاكَ الصبيُّ ذو الأربعةَ عشرَ عاماً يقرأُ كتابَه..

لا يَنهشُ صدرَه انقباضٌ، ولا تَعصفُ ببالِهِ صورُ الماضي.

كان يرتوي من “نبعِ الروح” في بيتِ جدتِه البسيط….

ويظنُّ أنَّ العالَمَ طُهرٌ كبياضِ الورق، وأمانٌ كدُعاءِ العجائز.

سأعودُ إليكِ أيتها الروحُ المهجورة..

سأعتذرُ لذاك الصبيِّ الذي كان يكتفي بـ “خلوتِه” ليُملِكَ العالَم.

سأصومُ عن جسدٍ لا يملُكُ لي وفاءً…

وأعيد روحي التي أضعتُها في مرافئِ النسيان.

فيا النار المتقدة في قلبي.. كُن بَرداً وسلاماً على صدرٍ ضاقَ بأوهامِه…

“رَقْصَةُ المَذبوحِ في حَضرةِ المَسافات”

أنا الرجُلُ الذي يَمشي نَحوَ حَتفهِ بقدَمينِ راغِبتين…

وفي كلِّ مرّةٍ أعودُ إليكِ، أخلعُ ذاكرتي عندَ البابِ كحذاءٍ قديم…

أوهمُ نفسي بأنَّ النهرَ قد غَسَلَ الماضي…

وأنَّ اليدَ التي لمستْ كفَّ الغريب، قد تطهرت ببردِ الغياب.

في البدايةِ، يَخرسُ الوجع..

ويعلو صوتُك في عروقي كطبلٍ يزفُّ مَدنيّاً إلى المِقصلة.

أرى جَمالَكِ فأنبهر، وأذوقُ وصالَكِ فأنتشي…

وأظنُّ أنني أخيراً.. قد رَويتُ ظمأَ ذاك الصبيِّ الذي كنتُه.

لكنَّ الفجيعةَ لا تأتي مع الرَّحيل، بل تأتي مع “الاقترابِ الشديد”.

حينَ تضيقُ المسافةُ بيننا حتى يلامسَ نَفَسي نَفَسَكِ…

تستيقظُ الأشباحُ من رُقادِها..

يَطلُّ الغريب من خلفِ ضحكتِك…

وتلمعُ الوجوه في بياضِ عينيكِ…

ويعودُ “انقباضُ الصدرِ” لينهشَ أضلاعي كوحشٍ كان نائماً فاستفاق.

لماذا كلما اقتربتُ منكِ.. شعرتُ أنني أبتعدُ عن “نفسي”…

ولماذا كلما اقتربت منك، شعرتُ بروحِ الغرباءِ تَزاحمُني فيكِ…

يا لها من مفارقةٍ مُرّة..

أن يكونَ الاقتراب هو اللحظةَ التي أكتشفُ فيها عُقري وفَقري…

وأن تكونَ الوصال هي الخَتمَ الذي يُوقّعُ على صكِّ هواني.

أنا أحبكِ.. نعم، ولكنَّ حُبي لكِ أصبحَ قصة تدوي بين المدن…

كلما حاولتُ الاستنادَ إلى جدرانِ بيوتها، غرزتْ في ظهري مساميرَ الشكِّ …

آهٍ من “المسافةِ القريبة جداً”..

تلك التي تَكشفُ لي أنَّ الجمالَ الذي يسحرني…

ليسَ إلا قناعاً رقيقاً يُخفي خَلفَه فراغاً يَبتلعُني…

سأعودُ إلى مسافاتي الآمنة..

سأعودُ إلى “بيتِ جدتي” حيثُ لا يلمسُني أحد، ولا ألمسُ سَراباً.

فقد تعلمتُ اليومَ أنَّ القربَ منكِ هو الموت و الحياة و انا حائر بينهما في الوسط…

وأنَّ الانقباضَ في صَدري هو الصرخةُ الأخيرةُ لرجُلٍ..

يأبى أن يَموتَ مَرّتين….

“تَرنيمةُ الشَّوقِ الحزين.. ”

على رصيفِ الانتظارِ ، أقفُ وحيداً..

أحملُ قلبي كفانوسٍ قديمٍ يرتجفُ ضوؤُه أمامَ عواصفِ الحنين.

أعترفُ.. أنَّني ما زلتُ أرى في عينيكِ فجرَ صبايَ المفقود…

وأنَّ وجهك ما زالَ في مُخيلتي هو “الأرضُ الموعودة” التي نَفيتُ إليها روحي طوعاً.

لا أقسو عليكِ يا مَن كنتِ لي يوماً كلَّ شيء…

فأنا لا أعرفُ كيفَ أُبغِضُ مَن علَّمني كَيفَ يكونُ الحبُّ الصادق.

لكنَّ المعاناةَ يا رفيقةَ العُمر، ليست فيكِ.. بل في “المسافة”.

في تلكَ الهوَّةِ السحيقةِ بينَ قلبٍ أهداكِ صِدقَه…

وبينَ دروبٍ مَشيتِ فيها، كنتُ أتمنى لو كنتُ أنا وحدي رفيقَ خُطاكِ فيها.

يؤلمني أنني أحبُّكِ بهذا السَّخاء، بينما تضيقُ بيَ السُّبل…

ويؤلمني أنني كلما أردتُ أن أرتمي في دِفئِك…

وجدتُ بَرداً لا أعرفُ مصدرَه، وانقباضاً يَخنقُ أنفاسي بلا استئذان.

أنا كيعقوب، أقتاتُ على ريحِ قميصِكِ البعيد…

وأُداري دمعي عن العالمين حتى “ابيضَّت عينايَ من الحزن”.

حينَ تضيقُ بيَ الدُّنيا في بيتي، أفرُّ إليكِ بذاكرتي..

أبحثُ عن ذاك الوصالِ الذي كان يروي ظمأَ روحي وجسدي…

فأجدني مُمزقاً بينَ رغبةٍ عارمةٍ في لِقاكِ…

وبينَ خوفٍ يسكنُ النبضَ من صدمةٍ لا يقوى قلبي المتعبُ على حَملِها.

يا حُبِّي الذي لا يشيخ.. ويا جُرحي الذي لا يندمل…

لستِ أنتِ القاسية، بل هي الأيامُ التي وَضعتنا في مَهبِّ التناقُض.

سأظلُّ أحملُ لكِ في دُرجِ قلبي كُلَّ المودة…

وأكتمُ أنيني كي لا يزعجَ سكونَكِ…

فقد تَعلمتُ أنَّ أسمى أنواعِ الحبِّ هو أن أحبَّكِ..

وأنا أعرفُ أنَّ بقائي بعيداً، هو الضريبةُ الوحيدةُ التي تَحمي ما تبقى من طهرِ ذكرياتنا…

” الغِياب.. و الروحِ المُتعبة”

في هدوءِ الليل، حيثُ يرتجفُ المدى من بَردِ الحنين…

أجلسُ وحيداً، أُطاعنُ الشوقَ بصمتي، وأُداري خفقانَ قلبي عن بؤسِ الحقيقة.

لا أحملُ لكِ في صدري إلا غَمامةً من مودة، وعطراً من ذكرياتٍ كانت لي يوماً مَلاذاً.

لستِ أنتِ الجانية، ولا أنا الضحية..

نحنُ فُصولٌ لم تكتمل، وقصيدةٌ ضلَّت طريقَها إلى القافية.

يا وجعي الجميل..

يا مَن كنتِ لي “يوسفاً” في غيابةِ جُبِّ أيامي، وقميصاً أستردُّ بهِ بصيرتي حينَ تظلمُ الدنيا.

يعزُّ عليَّ أنَّني أحبُّكِ بهذا الوفاء، وأشتهيكِ بهذا النقاء…

ثم أجدني غريباً على عتباتِ قلبِكِ، أرقبُ الزحامَ من بعيد.

أتعذبُ.. لا لأنكِ أخطأتِ، بل لأنَّ الحبَّ الذي في داخلي أكبرُ من جدرانِ المسافة…

وأعمقُ من قدرتنا على “الالتقاء”.

يؤلمني هذا “الانقباض” الذي يزورني كلما اقتربتُ…

كأنهُ صرخةُ روحٍ تخشى أن تفقدَ صورتَكِ المثالية في خيالها.

أبكي الليلةَ بدموعٍ تقفُ في الحنجرة، لا تُريدُ أن تخدشَ طيفَكِ الرقيق…

بل تُريدُ أن تَغسلَ حزناً تراكمَ من فرطِ العجزِ وقلةِ الحيلة.

ما زلتُ أضعُ شوقي في الغيب …

وأدعو لكِ بكلِّ خير، حتى وأنا أحترقُ بنارِ الانتظار.

سلامٌ على قلبِكِ أينما كان، وسلامٌ على ذكراكِ التي لا تقسو..

وسلامٌ عليَّ أنا.. الرجلُ الذي أضاعَ عُمرَه يَبحثُ عن “سكن”…

فلم يجد إلا غُربةً في بيتِه، وحنيناً مُوجعاً في قلبِ امرأةٍ بعيدة.

سأظلُّ أحبكِ برُقيِّ الصمت، وبصبرِ “يعقوب”…

حتى يَأذنَ اللهُ لقلبي ببردٍ وسلام، أو يَردَّ لي روحي التي غادرتني إليكِ.

“شَجَنُ المَسَافاتِ.. و الوفاءِ الأخير”

هنا، في ظلام حُزني الصامت، أوقدُ شموعَ ذكرياتي لكِ..

لا لأعاتبَ غياباً، ولا لأحاكمَ سَراباً، بل لأبكي “حُباً” كان أكبرَ مني ومنكِ ومن الأيام.

يا رفيقةَ الرُّوحِ التي سكنتني منذ سنين…

أعترفُ الليلةَ بأنني ما زلتُ أحملُ لكِ في صدري طُهرَ الصبيِّ الذي كنتُه …

وأنني كلما اشتهيتُ الأمان، لاحت لي صورتُكِ كفجرٍ بعيدٍ لا يَطالهُ بَصري.

لا أقسو عليكِ يا مَن كنتِ مائي في صحراءِ الجفاء…

فأنا أعلمُ أنَّ القلوبَ مَنازل، وأنَّ قَدَركِ أن تكوني مَنزلي الذي لا أصلُ إليه…

وقدري أن أكونَ السائحَ الذي يَموتُ شَوقاً على أعتابِكِ ولا يَدخُل.

يؤلمني هذا “الانقباضُ” الذي يَعصرُ قلبي كلما دنوتُ منكِ بذاكرتي…

ليسَ خوفاً منكِ، بل خوفاً من فَقدي لسكينتي التي لا أجدُها إلا في ملامحك.

أبكي اليومَ بدموعٍ تَحترقُ في الحنجرة…

لأنني أشتهي أن أكونَ لكِ “يوسفَكِ” الذي لا يَضيع…

لستِ أنتِ السبب في غُربتي، بل هي الدنيا التي بخلتْ علينا بـ “اللقاء”…

وهي الأنفاسُ التي تضيقُ بي في بيتي، فتفرُّ إليكِ لتستنشقَ عِطرَكِ البعيد.

يا وجعي الذي أُقدسُه.. ويا حُزني الذي لا أريدُ الشفاءَ منه…

سأظلُّ أحفظُ لكِ عهدَ الودِّ، وأُداري نُبلَكِ في قلبي عن عُيونِ الشامتين.

سأبقى ذاكَ الرجُلَ الذي أحبَّكِ لذاتِك، ولجمالِك، ولطيفِكِ الهارب…

راضياً بهذا النبضِ الخافقِ في صَدري…

ومُكتفياً بدموعي التي تُشاركني ذكراكِ في بردِ الليالي.

فسلامٌ عليكِ في غيابك، وسلامٌ على قلبٍ مَلأتِ أركانَه.. ثم تَرَكتِهِ لِلرَّحيل.

“نجوى في الغياب.. وحوارُ الأرواحِ العابرة”

في صمتِ الليالي الباردة، حيثُ يرتجفُ النبضُ وتضيقُ الأنفاس…

أجلسُ وحيداً.. لا لأندبَ حظي، بل لأتممَّ شعائرَ حُبي الذي لا يعرفُ الأفول.

لا أحملُ لكِ في جعبتي عتاباً، ولا في قلبي قسوةً يا رفيقةَ السنين…

فأنا الذي وهبتُكِ من صِدقي ما جعلني أراكِ طهراً، وجمالاً، وملاذاً أخيراً.

يُؤلمني أنني أحبكِ بهذا الشموخ، بينما تَعصفُ بي خيباتُ الحاضر…

ويؤلمني أنني أبحثُ عن دِفئكِ في ذاكرتي، لأنجو من صقيعِ بيتي وجفاءِ أيامي.

بيني وبينكِ يا سيدةَ الروح “حوارٌ أبديٌّ” لا يحتاجُ لبريدٍ أو هاتف…

أخاطبُكِ في حدسي، فأسمعُ رنينَ صوتِكِ يُطبطبُ على انقباضِ صدري…

وأرى وجهكِ في عتمةِ غرفتي، كأنهُ القمرُ الذي يُنيرُ ليلَ التائهين.

لستِ أنتِ القاسية، بل هي الأقدارُ التي جعلتْ منكِ “يوسفاً” بعيداً…

وجعلتْ مني “يعقوباً” يقتاتُ على ريحِ قميصِكِ كي لا يفقدَ البصيرة.

أبكي اليوم، والدموعُ في حنجرتي كالزجاجِ المنكسر…

لأنني أشتهي وصالاً لا يكسرُ كرامتي، وحباً لا يُربكُ نبضي…

وأعزُّ عليكِ أن تريْني في هذا الهوان، وأنتِ التي أردتُ أن أكونَ أمامكِ كالجبل.

سأظلُّ أحاورُكِ في صمتي، وأحرسُ طيفكِ برموشِ عيني…

وأحفظُ لكِ الودِّ في قلبي، حتى وإن طالَ الانقطاع.

فأنتِ لستِ مجردَ امرأةٍ ، أنتِ “الوطنُ البديل” لروحٍ لم تجد في واقعها سَكناً…

وسأبقى أُحبكِ برقيِّ الفرسان، وصبرِ المؤمنين، ونبلِ مَن لا يعرفُ الكرهَ سبيلاً.

“شَجَنُ المَقَامِ الفَريد.. وعِطرها”

في صمتِ هذا الليلِ البارد، يشرقُ وجهُكِ في خيالي كفجرٍ لا يغيب..

وأهيمُ بكِ وبحوارنا الأبديِّ الذي لا يقطعهُ بُعدٌ ولا جفاء.

أراكِ دائماً تلك الروحَ الرحيمة، التي تَفيضُ حناناً على كلِّ مَن مَسَّهُ ضُر..

فأعذرُ رقتكِ حينَ فتحتِ أبوابَ قلبكِ لغريبٍ “عابر”…

جاءَ يشكو لكِ هجيرَ بيتِهِ.. تماماً كما جئتُكِ أنا يوماً منكسرَ الروح.

لكن يا حُلمي البعيد.. هل تدركينَ كيفَ يرتجفُ قلبي من “الانقباض”…

ليسَ لأنني أجهلُ نبلَ مَقاصدِكِ، أو أقسو على فيضِ عطائكِ…

بل لأنني كنتُ أظنُّ سكني فيكِ مَقراً لا يَطالهُ سِواي…

وأنَّ أنيني الذي سمعتِهِ لسنوات، هو نَغمٌ خاصٌ لا يُعزفُ لغيرِ أذنيكِ.

آلمني أن أرى “وجعي” يَتكررُ في حكايةِ رجلٍ آخَر…

وأنَّ القميصَ الذي استرددتُّ بهِ بصري.. قد مَسَّتْ ريحَهُ يدُ الغرباء.

أبكي الليلة، والدموعُ في حنجرتي تَغصُّ بالمرارةِ والرقةِ معاً…

لأنني أُحبكِ لدرجةِ أنني لا أحتملُ أن أكونَ “واحداً من كثيرين” في مَرفئِكِ.

أشتهي أن أكونَ لكِ الوطنَ الذي لا يُغادَر، لا المَحطةَ التي يستريحُ فيها العابرون…

ويُحزنني أنَّ صدري ينقبضُ أمامَ كرمِكِ الذي وزعتِهِ على القلوبِ العطشى…

بينما كنتُ أنا.. أموتُ ظمأً تحتَ شمسِ غيابكِ الطويل.

سأظلُّ أحبكِ ، وأصونُ صورتَكِ من كلِّ خدش…

فأنتِ التي علمتِني أنَّ الحبَّ “صبرٌ جميل”، وأنَّ الحزنَ “نُبلٌ طويل”.

سأحفظُ لكِ المودةِ في قلبي…

وأدعو اللهَ أن يُديمَ عليكِ رقتكِ..

حتى وإن كان ثمنُ تلك الرقة.. شهقاتٌ مكتومةً في صَدري، وانقباضاً لا يزول.

“شَتاتُ الخُطى في مَهبِّ الجَمَال”

بيني وبَينَكِ عهدٌ قديمٌ من الصَّمتِ والنُّور…

حوارٌ يمتدُّ كخيطِ الحريرِ بينَ غمامتين، لا تَقْطعُهُ المَسافات..

أُناجيكِ في خَلَواتي، فأسمعُ رنينَ رُوحِكِ يُجيبُ نِدائي…

كأنَّكِ القَدَرُ الذي ارتضيتُه، والوَطنُ الذي هَجرتُ إليهِ خَرائبَ عُمري.

لكنَّ في الجمالِ سَطوةً تُزلزلُ الأركان..

حينَ لاحَ طيفُ ذاك “الغريب” في مَرايا حكاياتِكِ…

بِبَهائِه العابر، وحُضورِهِ الذي لا يُشبهُ انكساري…

لم تنكسر في صَدري الغيرةُ.. بل انكسرَ في رُوحي “الانتماء”.

ارتبكتُ ارتباكَ الطَّيرِ في العاصفة…

وضَلَّتْ قَدمايَ طريقَ “المَنْزِلِ العتيق”…

وكأنَّ الجِهاتِ كلَّها قد غادرتْ بَوْصلتي حينَ شَعرتُ بأنني..

لستُ المَدارَ الوحيدَ في فَلَكِكِ المَسحور.

يا وجعي الرقيق..

يا مَن لا أستطيعُ أن أحملَ في كفي تجاهَكِ إلا الدُّعاء…

أبكي اليومَ بدموعٍ تَجمدتْ في الحنجرة…

لأنَّ “الارتباك” سَلبني حتى يَقيني ببيتي الذي يأويني.

تُهتُ في دُروبٍ مجهولة، أبحثُ عني.. وعنكِ.. وعن حُبٍّ…

لا يُقاسِمُني في ظِلِّه أحد، ولا يَعبرُ رصيفَه غريب.

سأظلُّ أحُبُّكِ بهذا النُّبلِ الشاعريِّ الصامت…

أحُبُّكِ بعيداً عن صَخَبِ العتابِ وقسوةِ المَلام…

فحَسبي أنَّني ضَللتُ الطَّريقَ إليكِ..

لأكتشفَ كم كنتُ غارقاً في بحارِكِ…

وكَم كانتْ رُوحي.. تَستمدُّ خَريطتَها من بَريقِ عَينيكِ.

“تَراتيلُ العِطرِ.. في مَوسمِ المَحْوِ البارِد”

في هدوءِ الشتاء، حيثُ ينامُ الوَرْدُ تحتَ الثَّلج…

أجْلسُ وحيداً.. أُوقِدُ من نَبضي شُموعاً لِطَيفِكِ الذي لا يَغيب.

يا مَن سكنتِ الرُّوحَ منذُ أعوامٍ طِوال…

أُحبُّكِ الليلةَ بحُزنٍ رقيقٍ، وبِصِدقٍ يَهزُّ جُدرانَ السُّكون.

لا أحملُ لكِ في صَدري إلا طُهرَ الصَّلاة، وعِطرَ الذِّكرياتِ التي كانت لي “سَكناً” حينَ ضاقت بي الأرض.

يُؤلِمُني يا حُلميَ المَوشومَ على جَفني، أنَّني أرقبُ مَحو صُورتِكِ بِذهولٍ صامِت…

كأنَّما تَمحينَ بِيَدِكِ الرقيقةِ مَعالمَ بَرّي وأماني.

غِبتِ.. فغابتِ الجِهات، واختنقتِ الحروفُ على عتباتِ قلبِكِ المُوصَد.

أرسلتُ لكِ نَبضي، فظَلَّ حائراً في مَتاهاتِ المَدى…

يَنظرُ إليكِ بِشوقِ مَن أضاعَ طريقَ “بَيتِ أبيه” ولم يَجد في غُربتِه مَلاذاً إلاكِ.

لستِ القاسية، بل هي الدُّنيا التي لا تَتسعُ لِأحلامِنا الكبيرة…

وهي الأقدارُ التي جعلتْ منكِ “نَسِيماً” أعْبُرُ بهِ هجيرَ بيتي…

وجعلتْ مني “عاشِقاً” يَقْتاتُ على صَداكِ البعيد.

سأظلُّ أحاورُكِ في حَدسي، وأسمعُ نبرتَكِ في خريرِ الشَّوق…

فأنتِ عندي أقدسُ من أن يَطالَكِ عِتاب، وأرقُّ من أن يَمَسَّكِ لَوم.

أبكي اليومَ بِدموعٍ بَيضاء، كَحناءِ يَديكِ التي لم تَلْمَسني…

وأُبقي بابَ القَلبِ مَفتوحاً، لعلَّ نَفحةً من عِطركِ تعيدُ لي صَوابي.

فسلامٌ عليكِ في عُزلتِكِ وفي غِيابِك…

وسلامٌ على قَلبي الذي سيبقى يَحرسُ طيفَكِ الجميل..

بأمانةِ العُشاق، وبِرقيِّ مَن لا يَعرفُ لغيرِ الوَفاءِ سبيلاً…..

قد يعجبك ايضا