بين هرج المسيري وتطرف القصيمي: مَن المسؤول عن اضطرابات الشخصية العربية؟

محمد قفطان

تستيقظ الشخصية العربية المعاصرة على فجوةٍ هائلةٍ بين فائض القيمة المادية وقحط الوجود الحضاري، فالعرب اليوم يمتلكون أرصدةً بنكيةً متضخمةً ولكنهم يقفون عراةً من أي مشروعٍ مدنيٍ حقيقيٍ، وهذا الخلل البنيوي هو الذي عصفت رياحه بالمنطقة وجعلها حقلاً للتجارب الفاشلة، لقد كان ابن خلدون ينشد بناء “العمران” عبر تفكيك شروط الحضارة، محذراً من أن الأمة التي تفقد اتساقها النفسي تذوب في تقليد الغالب دون وعيٍ أو بصيرةٍ، وبسبب هذا التيه، تحولنا إلى كتلٍ بشريةٍ مضطربةٍ تسكن القصور ولكنها تعيش في العراء الفكري.

يمثل عبد الوهاب المسيري ذروة “الهرج” النماذجي الذي أغرق العقل العربي في متاهاتٍ لفظيةٍ بلا جدوى، فقد استنزف طاقته في اجترار ثنائيات العلمانية الجزئية والشاملة ومطاردة أشباح المادوية، وكأنه يمارس تخريفاً أدبياً يحاول حشر ضجيج العالم داخل قوالب هندسيةٍ ميتةٍ، إن هذا العبث في استبدال الفعل الحضاري بالنمذجة الخشبية والتهويمات الحالمة هو ما أورثنا جيلاً يتقن الثرثرة حول المصطلحات ويعجز عن صناعة إبرة، لقد نفخ المسيري في “الأنا” العربية بوعودٍ زائفةٍ تدعي التمايز الروحي والتعالي على التقدم المادي، مما حول الفكر لديه إلى رداءٍ من الوهم يغطي عورة العجز التقني.

اما هنا فعلى النقيض تماماً، يبرز عبد الله القصيمي كسوطٍ جارحٍ يمارس تطرفاً عدمياً لا يبقي ولا يذر، فهو لم يأتِ ليرمم انكسارنا بل جاء ليعمق الجرح عبر إلغاء التاريخ وتشويه الهوية جملةً وتفصيلاً، لقد جعل القصيمي من القبح والشتيمة منهجاً فكرياً يكسر إرادة الفرد العربي ويجرده من أدنى مقومات الأمل، فتطرفه في الجلد لم يكن سوى عملية إبادةٍ معنويةٍ زادت من حدة الجذب والتناقض داخل الشخصية، تاركةً العقل العربي يترنح بين اعتزازٍ مريضٍ يغذيه المسيري وبين احتقارٍ للذات يبثه القصيمي في العروق.

إن المسؤولية الكبرى عن هذا الاضطراب تقع على عاتق هذا الصدام بين “عته” النظريات وسادية الرفض، فالإنسان العربي لم يعرف في تاريخه الحديث وقار “الاتزان” أو هدوء التفكيك النقدي، فنحن دائماً ما نكون أسرى لعواطفٍ فجةٍ لم تُهذبها المعرفة الحقيقية، فتجد المتدين غارقاً في طقوسيةٍ فارغةٍ، والملحد متمترساً خلف كفرٍ صداميٍ، والقارئ مشتتاً لا يميز بين الورق والواقع، وهذا الانفصام يرجع بالأساس إلى غياب ملكة النقد المتزن التي تضع المشاعر في محلها والمنطق في إطاره.

في الختام، ستبقى الشخصية العربية مسرحاً للاضطراب ما دام العقل يقتات على ثرثرة المسيري وسياط القصيمي، إننا بحاجةٍ إلى وقفةٍ أدبيةٍ وفلسفيةٍ تتجاوز قوالب النمذجة وجلد الذات نحو بناء إنسانٍ يتصالح مع واقعه دون تزييف، فالطريق نحو الحضارة يبدأ من تهذيب العاطفة قبل صياغة النظرية، ومن امتلاك الرؤية قبل امتلاك الرصيد

قد يعجبك ايضا