د. اريج حازم مهدي
يُعد العنف الأسري من أخطر المشكلات الاجتماعية والنفسية التي تواجه المجتمعات المعاصرة، لما له من آثار عميقة على استقرار الأسرة وتماسكها، وعلى الصحة النفسية للأفراد، ولا سيما الأطفال والنساء. فالعنف داخل الأسرة لا يقتصر على الإيذاء الجسدي فقط، بل يمتد ليشمل العنف النفسي واللفظي والاقتصادي، وهي أنماط قد تترك آثارًا نفسية طويلة الأمد تفوق في خطورتها العنف الجسدي أحيانًا. ومن بين الاضطرابات النفسية التي قد تنشأ أو تتفاقم نتيجة التعرض للعنف الأسري، يبرز اضطراب الوسواس القهري بوصفه أحد الاضطرابات القلقية التي تتسم بأفكار قهرية وسلوكيات قسرية متكررة تعيق حياة الفرد اليومية.
يمثل العنف الأسري بيئة ضاغطة وغير آمنة، يشعر فيها الفرد بالتهديد المستمر وفقدان السيطرة، وهو ما يشكل أرضية خصبة لظهور اضطرابات نفسية متعددة. فالأسرة يفترض أن تكون مصدرًا للحماية والدعم العاطفي، وعندما تتحول إلى مصدر للخوف والقلق، يختل التوازن النفسي للفرد. وتؤكد الدراسات النفسية أن التعرض المتكرر للعنف داخل الأسرة، خاصة في مراحل الطفولة والمراهقة، يؤدي إلى تشوه profiles النمو النفسي والانفعالي، ويؤثر سلبًا في تكوين الشخصية.
العنف الأسري له أشكال متعددة، منها العنف الجسدي الذي يتمثل في الضرب والإيذاء البدني، والعنف النفسي الذي يشمل الإهانة والتحقير والتهديد، والعنف اللفظي الذي يتجسد في السب والشتم، إضافة إلى العنف الجنسي والعنف الاقتصادي. وكل هذه الأنماط تشترك في كونها تنتهك كرامة الإنسان وتولد لديه شعورًا بالعجز والدونية. ويُعد العنف النفسي من أخطر هذه الأنواع، لأنه غالبًا ما يكون خفيًا وغير مرئي، إلا أن تأثيره العميق يظهر في اضطرابات القلق والاكتئاب والوسواس القهري.
أما الوسواس القهري، فهو اضطراب نفسي يتميز بوجود أفكار أو صور ذهنية متكررة وغير مرغوب فيها، تثير لدى الفرد قلقًا شديدًا، فيلجأ إلى القيام بسلوكيات قهرية أو طقوس متكررة في محاولة لتخفيف هذا القلق. وغالبًا ما يدرك المصاب أن هذه الأفكار والسلوكيات غير منطقية، إلا أنه يشعر بعجز عن السيطرة عليها. ويرتبط هذا الاضطراب ارتباطًا وثيقًا بمستويات عالية من القلق والتوتر، وهي مشاعر شائعة لدى ضحايا العنف الأسري.
العلاقة بين العنف الأسري والوسواس القهري يمكن تفسيرها من خلال عدة آليات نفسية. فالتعرض المستمر للعنف يولد لدى الفرد شعورًا دائمًا بعدم الأمان، ما يدفعه إلى البحث عن وسائل داخلية لاستعادة الشعور بالسيطرة. وفي هذا السياق، قد تتحول الطقوس القهرية إلى وسيلة نفسية تعويضية تمنح الفرد إحساسًا زائفًا بالتحكم في محيطه. كما أن الأفكار الوسواسية قد تعكس صراعات داخلية مكبوتة ناتجة عن الخوف أو الذنب أو الغضب غير المعبر عنه.
ويزداد خطر الإصابة بالوسواس القهري لدى الأطفال الذين ينشأون في أسر يسودها العنف، حيث تؤثر هذه البيئة في نموهم العصبي والانفعالي. فالطفل الذي يشهد أو يتعرض للعنف قد يطور أنماط تفكير جامدة، ويصبح مفرط الحساسية تجاه الأخطاء أو التهديدات، وهو ما يتجلى لاحقًا في أفكار وسواسية تتعلق بالنظافة أو الترتيب أو الخوف من الأذى. كما أن غياب الدعم العاطفي والحوار الأسري الصحي يسهم في تعميق هذه الاضطرابات.
ولا تقتصر آثار العنف الأسري المرتبطة بالوسواس القهري على الفرد وحده، بل تمتد لتؤثر في العلاقات الاجتماعية والأداء الدراسي أو المهني. فالمصاب بالوسواس القهري غالبًا ما يعاني من صعوبات في التكيف الاجتماعي، وقد ينسحب من التفاعل مع الآخرين نتيجة القلق المستمر والخجل. كما أن استنزاف الطاقة النفسية في الطقوس القهرية ينعكس سلبًا على الإنتاجية وجودة الحياة بشكل عام.
إن معالجة العلاقة بين العنف الأسري والوسواس القهري تتطلب مقاربة شاملة، تبدأ بالتصدي للعنف ذاته من خلال التوعية المجتمعية وسن القوانين الرادعة وتفعيل دور المؤسسات الاجتماعية. كما ينبغي توفير الدعم النفسي لضحايا العنف، عبر برامج إرشاد وعلاج نفسي متخصصة تساعدهم على تجاوز الصدمات وبناء آليات تكيف صحية. وفيما يتعلق بالوسواس القهري، فإن العلاج المعرفي السلوكي يُعد من أنجح الأساليب العلاجية، خاصة عندما يقترن بعلاج دوائي عند الحاجة.
وفي الختام، يمكن القول إن العنف الأسري ليس مجرد مشكلة اجتماعية آنية، بل هو ظاهرة لها انعكاسات نفسية عميقة وطويلة الأمد، من بينها زيادة احتمالية الإصابة بالوسواس القهري. ومن هنا تبرز أهمية العمل المتكامل بين الأسرة والمجتمع والمؤسسات الصحية والتربوية للحد من هذه الظاهرة، وحماية الصحة النفسية للأفراد، وبناء بيئة أسرية آمنة تسهم في تنشئة أجيال سليمة نفسيًا واجتماعيًا.