د. اريج حازم مهدي
يُعد العنف الأسري من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تهدد استقرار الأسرة وتماسكها، لما يخلّفه من آثار نفسية واجتماعية وتربوية عميقة على جميع أفرادها. ولم يعد العنف الأسري ظاهرة خفية كما كان يُنظر إليه سابقاً، بل أصبح قضية إنسانية ومجتمعية تستدعي الدراسة العلمية والتدخل المهني المنظم. ويُنظر إلى قياس العنف الأسري بوصفه خطوة أساسية لفهم أبعاده وتشخيص مظاهره، ومن ثم تحديد الحاجات الإرشادية للأفراد المتأثرين به.
يتخذ العنف الأسري أشكالاً متعددة، منها العنف الجسدي والنفسي واللفظي والاقتصادي والاجتماعي، وغالباً ما تتداخل هذه الأشكال في الواقع العملي. ويؤدي التعرض المستمر لهذه الأنماط من العنف إلى اضطرابات نفسية وسلوكية لدى الضحايا، مثل القلق والاكتئاب وضعف الثقة بالنفس، فضلاً عن صعوبات التكيف الاجتماعي. ومن هنا تظهر العلاقة الوثيقة بين مستوى العنف الأسري والحاجات الإرشادية، حيث تتزايد هذه الحاجات بزيادة حدة العنف وتكراره.
إن قياس العنف الأسري يُعد أداة علمية ضرورية للكشف عن حجم المشكلة وتحديد شدتها، إذ يساعد المختصين في الانتقال من التقدير الانطباعي إلى التشخيص الموضوعي. وتُستخدم في ذلك مقاييس نفسية واستبيانات ومقابلات إكلينيكية صُممت لقياس أنماط العنف المختلفة داخل الأسرة. ويُشترط في هذه الأدوات أن تتمتع بالصدق والثبات، وأن تراعي الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمجتمع الذي تُطبق فيه.
وتكمن أهمية القياس أيضاً في كونه يساعد على تحديد الفئات الأكثر عرضة للعنف، مثل النساء والأطفال وكبار السن، إضافة إلى تحديد العوامل المسببة له، سواء كانت نفسية أو اقتصادية أو اجتماعية. كما يُسهم في بناء قاعدة بيانات علمية يمكن الاعتماد عليها في إعداد البرامج الإرشادية والوقائية، ووضع السياسات الاجتماعية المناسبة.
أما الحاجات الإرشادية، فهي تمثل مجموعة المتطلبات النفسية والاجتماعية والتربوية التي يحتاجها الفرد لتحقيق التوافق النفسي والاجتماعي. وتظهر هذه الحاجات بشكل أوضح لدى الأفراد الذين تعرضوا للعنف الأسري، إذ يحتاجون إلى الدعم النفسي وإعادة بناء الثقة بالنفس، وتعلم مهارات التعامل مع الضغوط والانفعالات، إضافة إلى الإرشاد الأسري والاجتماعي.
وتتأثر الحاجات الإرشادية بدرجة العنف الأسري ونوعه، فالعنف النفسي المستمر يولد حاجات إرشادية تتعلق بتقدير الذات والأمان النفسي، في حين يخلق العنف الجسدي حاجات مرتبطة بعلاج الصدمات النفسية والشعور بالأمان الجسدي. كما أن الأطفال الذين يتعرضون أو يشهدون العنف الأسري تظهر لديهم حاجات إرشادية تربوية وسلوكية خاصة، تتطلب برامج تدخل مبكرة.
وتبرز العلاقة بين قياس العنف الأسري والحاجات الإرشادية في كون نتائج القياس تمثل الأساس الذي تُبنى عليه الخطط الإرشادية. فكلما كان القياس دقيقاً وشاملاً، أمكن تحديد الحاجات الإرشادية بشكل أكثر واقعية، وتصميم برامج إرشادية مناسبة تراعي خصوصية الأفراد وظروفهم. كما يساعد القياس في تقويم فعالية البرامج الإرشادية من خلال مقارنة مستويات العنف قبل التدخل وبعده.
وفي الختام، يمكن القول إن قياس العنف الأسري يمثل حجر الأساس في التعامل العلمي مع هذه الظاهرة، إذ لا يمكن وضع برامج إرشادية فعّالة من دون تشخيص دقيق لمستوى العنف وأبعاده. كما أن الربط بين نتائج القياس والحاجات الإرشادية يُسهم في تقديم تدخلات إرشادية شاملة تهدف إلى حماية الأسرة، وتعزيز الصحة النفسية، وبناء علاقات أسرية قائمة على الاحترام والتفاهم.