مرجع الكورد في زمن التشتت

مصطفى عبدالكريم قايتەوەني – لندن

عند العودة إلى زيارة الرئيس مسعود بارزاني إلى مدينة شرناخ في كوردستان تركيا أواخر العام الماضي، ومشاركته في المناسبة مرتدياً الزيّ الكوردي التقليدي، يتضح أننا أمام حدثٍ يتجاوز الإطار البروتوكولي والمراسم الشكلية، ليحمل أبعاداً سياسية ورمزية عميقة.
فحيثما يحضر رئيس مسعود بارزاني، تحضر معه ذاكرة نضال شعبٍ عانى طويلاً من سياسات الإنكار والتهميش، وسعى عبر عقودٍ طويلة إلى انتزاع الاعتراف بهويته وحقوقه المشروعة.

كاريزما تكسر جليد الإنكار

إن ظهور الرئيس بارزاني بالزي الكوردي في عمق الجغرافيا التركية، محاطاً بحراسٍ يرتدون زيّ الپيشمرگة ويحملون علم كوردستان على أكتافهم، لا يمكن اعتباره مشهداً عابراً أو تفصيلاً ثانوياً، بل هو فعلٌ سياسي رمزي بامتياز، يجسد عملياً كسر جليدٍ تراكم على مدى عقود من إنكار الوجود الكوردي في تركيا.
لم تكن هذه الزيارة مجرد حضورٍ بروتوكولي، بل رسالة واضحة مفادها أن مرحلة الإنكار بدأت بالتراجع، وأن أفقاً سياسياً جديداً بات ممكناً، يلوّح في الأفق بما يمكن تسميته ربيعاً كوردياً جديداً.

التحول التركي من الخصومة إلى الشراكة

يُعدّ التحول في الموقف التركي أحد أبرز ملامح التغير في المشهد الإقليمي. فقد أدرك الرئيس رجب طيب أردوغان مبكراً أهمية بناء علاقة استراتيجية مع الرئيس مسعود بارزاني، وهو ما تجسد عملياً في زيارته إلى أربيل وافتتاحه مطار أربيل الدولي عام 2011، أعقبها تبادل زيارات رفيعة المستوى بين الجانبين.
هذا الانفتاح التركي يعكس قناعة متنامية لدى أنقرة بواقع إقليم كوردستان العراق ككيان سياسي مستقر، وشريك موثوق في ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد، بعد أن ظلت القضية الكوردية تُختزل لعقود طويلة في إطارٍ أمني ضيق.

مرجعية تتجاوز الحدود

إن مشاركة القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، الجنرال مظلوم عبدي، في مؤتمر MEPS إلى جانب دولة رئيس وزراء إقليم كوردستان في العام الماضي، تمثل دلالة واضحة على أن مرجعية الرئيس مسعود بارزاني لم تعد محصورة ضمن حدود كوردستان العراق، بل تحولت إلى مرجعية سياسية معترف بها على المستويين الإقليمي والدولي.
فالقادة العراقيون، بمختلف انتماءاتهم السياسية والمذهبية من السنة والشيعة، يحرصون على التواصل مع بارزاني وكسب ثقته، إدراكاً منهم أنه يشكل أحد المفاتيح الأساسية لفهم تعقيدات المعادلات الإقليمية، ولعب دورٍ حاسم في إدارة الأزمات وتخفيف حدّتها.

بارزاني… صوت الكورد في أزمات سوريا

في خضم التوترات المتصاعدة في سوريا، وتحريك القوات، واندلاع الاشتباكات، وتعرّض الكورد لهجمات غير مشروعة، برز موقف الرئيس مسعود بارزاني بوصفه الصوت الأكثر وضوحاً وتأثيراً في الدفاع عن القضية الكوردية.
لقد أثبتت هذه المرحلة أن هناك شخصية واحدة تمتلك الكلمة الأثقل والأكثر مصداقية عندما يتعلق الأمر بمصير الكورد، وهي شخصية مسعود بارزاني. فعندما يتحدث، تنصت العواصم الإقليمية والدولية باهتمام، ليس بدافع المجاملة، بل لأن خطابه يتسم بالواقعية والاتزان، ويستند إلى تاريخ طويل من النضال والخبرة السياسية.
ومن هنا ترسخت قناعة لدى صناع القرار بأن مسعود بارزاني بات المرجع الأول في كل ما يتصل بالقضية الكوردية، في أي جزء من أجزاء كوردستان.

رئيس بارزاني ودوره في الشرق الأوسط الجديد

لم يعد اقتران اسم مسعود بارزاني بأسماء ملوك ورؤساء الشرق الأوسط محض صدفة، بل أصبح تعبيراً واضحاً عن الاعتراف بدوره التاريخي وتأثيره السياسي المتصاعد. فزيارة شرناخ تمثل حلقة جديدة في مسار انتقال الكورد من خانة “المشكلة” إلى موقع “الشريك” في معادلات المنطقة.
لقد تحول بارزاني إلى شخصية إقليمية محورية، يتجاوز تأثيرها حدود الجغرافيا إلى التأثير المباشر في السياسات الكبرى، وبفضل كاريزماه وقوة حضوره، باتت المناصب تأتي إليه لا العكس، وتحول مقره إلى محطة سياسية رئيسية يقصدها الأصدقاء والخصوم على حدّ سواء، بحثاً عن حلول سياسية وأمنية واقتصادية.
وفي زمن أصبحت فيه الطاقة والاقتصاد من أهم مفاتيح حل النزاعات، يبرز نفوذ رئيس مسعود بارزاني كعنصر توازن واستقرار، مؤكداً أن ذوبان الجليد لم يعد احتمالاً، بل واقعاً يفتح الباب أمام مستقبلٍ يعترف بالحقوق والهوية، ويمنح شعوب المنطقة أملاً باستقرارٍ حقيقي.

قد يعجبك ايضا