بين العبودية والحب

زياد ابو لبن 

كاتب وشاعر 

 قراءة في رواية “سعيد وزبيدة” في عالم الرواية الأردنية المعاصرة، تتألق رواية محمود شاهين “سعيد وزبيدة” كملحمة ناطقة عن الإنسان، عن حبه، عن عبوديته، وعن النور الذي يلوح في أعماق الظلام. هنا، لا يكون الحب مجرد شعور؛ بل فعل، تمرد، صرخة في وجه قيود الزمن والمكان. سعيد، العبد، وزبيدة، ابنة التاجر الفلسطيني، يصبحان في النص رمزين للإنسان الباحث عن ذاته، عن حريته، عن نبضه الذي يرفض أن يخمد. سعيد ليس مجرد عبد؛ هو صورة الروح التي لا تُقهر، قلب يبحث عن الضوء في عتمة القيود. وزبيدة ليست مجرد حبيبة؛ هي رمز للمرأة التي تتجاوز القيود الاجتماعية، لتعلن عن حقها في الاختيار والحب، عن حقها في أن تكون إنسانة قبل أن تكون ابنة أو عبدة أو ممتلكة. بين الاثنين، يولد عالم داخلي متوهج، لغة صامتة تتحدث بالأنفاس والنبضات واللمسات، لغة تكشف عن جدلية الحرية والرغبة، عن صراع الإنسان مع ذاته والمجتمع، عن صرخة الكينونة وسط الصمت المفروض. الرحلة الجسدية لسجاح من حوران إلى فلسطين هي أكثر من انتقال مكاني؛ إنها رحلة رمزية للروح، بحث عن الحرية والكرامة والهوية. كل مدينة، كل طريق، كل رائحة هواء، يصبح شاهداً على مأساة العبودية وعلى أمل الإنسان في التحرر. المكان هنا ليس خلفية؛ بل شخصية فاعلة، يعكس الصراعات الداخلية، يلمس الخوف والرغبة، يلتقط صدى القهر والتمرد في كل حجر وكل شارع. أما المشاهد الحسية في الرواية، فهي أشبه بالمرآة التي تعكس أعماق النفس، حيث تصطدم الرغبة بالواجب الاجتماعي، حيث يتوه الإنسان بين جسده ورغبته وضميره. هذه المشاهد لا تأتي لتهوي القارئ في شهوة سطحية، بل لتكشف عن قوة الحياة، عن حرية الروح، عن قدرة الإنسان على مقاومة الظلام الداخلي والخارجي، عن أن الحب فعل، وأن الجسد مرآة للروح التي تبحث عن الحرية والوجود. ما يجعل الرواية متميّزة حقًا هو قدرتها على تحويل الحب الفردي إلى تجربة وجودية شاملة، حيث يصبح صراع سعيد وزبيدة وسجاح مع الواقع استعارياً لصراع الإنسان مع الحياة، مع القهر، مع التاريخ، ومع ذاته. الشخصيات تتحول إلى رموز: سعيد رمز الإرادة، وزبيدة رمز الحرية، وسجاح رمز المقاومة الصامتة للإنسانية المقهورة. وفي ختام النص، يتركنا محمود شاهين أمام حقيقة عميقة: الحب ليس مجرد شعور، ولا مجرد رغبة، بل هو شعاع، نور يلوح في أفق الظلام، فعل مقاومة، وصوت للإنسانية التي لا تنكسر. “سعيد وزبيدة” ليست رواية عن قصة حب فحسب، بل نص ملحمي عن الإنسان، عن قلبه، عن روحه، عن سعيه المستمر نحو الحرية والنور، حتى في أقسى ظروف القهر.

قد يعجبك ايضا