شــريف علي
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكّل عميقة وتراكباً معقداً تتداخل فيه الأزمات الداخلية مع الصراعات الإقليمية، بحيث لم يعد ممكناً فصل الديناميات المحلية عن التفاعلات الجيوسياسية الأوسع. فالأحداث المتزامنة في إيران وسوريا واليمن وغزة ولبنان والعراق تكشف عن شبكة ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية مترابطة، تجعل المنطقة أمام لحظة انتقالية قد تعيد رسم موازين القوى وخارطة المنطقة على أسس جديدة. هذه الضغوط لا تنبع فقط من هشاشة البنى الداخلية للدول، بل تتغذى أيضاً من طبيعة الصراعات الإقليمية التي تديرها القوى المتنافسة في المنطقة،( إيران وتركيا وإسرائيل)، حيث تتقاطع مصالح هذه الأطراف مع مصالح القوى الدولية في إعادة تشكيل الخارطة السياسية والأمنية. إن إدراك هذا الترابط بين الأزمات الداخلية والصراعات الإقليمية يشكّل مدخلاً ضرورياً لأي مقاربة سياسية، لأنه يوضح أن الشرق الأوسط ليس مجرد مجموعة من الأزمات المنفصلة، بل منظومة متشابكة تُدار عبر توازنات دقيقة، وتنعكس مباشرة على استقرار النظام الدولي ومصالح مراكز القرار العالمي. وفي هذا الإطار، نعتمد على مقاربة الأمن الإقليمي التي ترى أن الأزمات الداخلية في الشرق الأوسط ليست نتاج عوامل محلية فقط، بل هي امتداد مباشر للتنافس بين القوى الإقليمية ، حيث تتحول الدول الهشة إلى ساحات نفوذ تتصارع فيها المشاريع الإقليمية، وتصبح خطوط التماس الداخلية امتداداً لصراعات خارجية.هذا التداخل بين المحلي والإقليمي والدولي يجعل المنطقة أمام مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات متعددة، ويحوّل كل أزمة داخلية إلى جزء من معادلة جيوسياسية أوسع. ومن هنا تأتي أهمية فهم الترابط بين هذه الملفات، لأن أي تطور داخلي سرعان ما ينعكس على التوازنات الإقليمية.
فالساحة السورية اليوم تبدو نموذجاً مكثفاً لتشابك الأزمات الداخلية مع الصراعات الإقليمية والدولية، بحيث تحولت البلاد إلى مسرح مفتوح تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى والإقليمية مع حسابات الفاعلين المحليين. فبعد أكثر من عقد على اندلاع الصراع، لم تعد سوريا دولة واحدة بقدر ما أصبحت مجموعة من مناطق النفوذ المتداخلة، لكل منها مراكز قوة خاصة وحسابات أمنية وسياسية واقتصادية مستقلة، ما يجعل أي مقاربة للحل السياسي رهينة فهم هذه البنية المركّبة.
خارطة النفوذ الحالية تكشف عن أربعة مراكز رئيسية للسلطة. الأول يتمثل في الحكومة الانتقالية التي نصبها التحالف الدولي تسيطر على دمشق والساحل وأجزاء من الوسط والجنوب، ويستند هذا المركز إلى شبكة مصالح اقتصادية–أمنية تشكّلت خلال سنوات الحرب، وتضم رجال أعمال جدد، وأجهزة أمنية معاد تشكيلها، وميليشيات محلية وأجنبية. أما المركز الثاني فهو النفوذ التركي في الشمال الغربي، حيث تدير أنقرة مجموعة من الفصائل المسلحة وتفرض نموذجاً إدارياً واقتصادياً يربط هذه المناطق بها بشكل شبه مباشر، مستخدمة هذا النفوذ كورقة ضغط ضد أي مشروع كوردي في الشمال الشرقي. المركز الثالث يتمثل في الإدارة الذاتية التي يديرها حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه العسكري قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والتي تسيطر على مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا، وتعتمد على دعم أمريكي عسكري–أمني، وتدير مؤسسات مدنية واقتصادية مستقلة نسبياً عن دمشق. أما المركز الرابع فهو مناطق التماس في الشرق والبادية، حيث يتداخل النفوذ الأمريكي والإيراني وتنظيم الدولة الإسلامية في صراع غير معلن على الموارد والطرق الاستراتيجية.
أما أدوات النفوذ الإقليمي في سوريا فتتجلى عبر منظومات متعددة: فإيران لا تزال تعتمد على الميليشيات المحلية والاقتصاد الموازي والارتباط العقائدي، بينما تستخدم تركيا الفصائل المسلحة والوجود العسكري المباشر والارتباط الاقتصادي بالمناطق التي تسيطر عليها. أما إسرائيل فتعتمد على التفوق الجوي والاستخبارات وسياسة الردع، في حين تستخدم الولايات المتحدة وجودها العسكري كأداة ضغط، وتعتمد روسيا على القواعد العسكرية والتحالفات الأمنية.
هذه الخارطة لا تعكس فقط توازنات عسكرية، بل تعبّر عن بنية سياسية جديدة تتشكل على أنقاض الدولة المركزية. فالحكومة الانتقالية، رغم سيطرتها على العاصمة، لا تملك القدرة على فرض نموذج حكم موحد، بينما طوّرت الإدارة الذاتية الكوردية مؤسساتها إلى درجة يصعب التراجع عنها دون ترتيبات سياسية واضحة. أما تركيا فقد رسّخت وجودها في الشمال عبر بنية أمنية–اقتصادية تجعل انسحابها مرتبطاً بتسوية إقليمية شاملة. في المقابل، تواصل إيران بناء نفوذها عبر شبكات محلية تمتد من دمشق إلى دير الزور، بينما تعمل روسيا على تثبيت قواعدها العسكرية وضمان دورها في أي تسوية مستقبلية. الولايات المتحدة من جانبها تحافظ على وجودها العسكري لكنه مؤثر في مناطق النفط والحدود، وتستخدمه كأداة ضغط على دمشق وطهران وموسكو. أما إسرائيل فتواصل استهداف البنية العسكرية الإيرانية داخل سوريا، ما يجعل البلاد جزءاًمحوريا من معادلة الأمن الإقليمي.
في هذا السياق، تبدو المفاوضات بين القوات الكوردية والحكومة الانتقالية أحد أهم مفاصل الصراع، لكنها ما تزال تراوح مكانها بسبب التشابك المعقد لإرث من القضايا العالقة تمتد لعدة عقود،تأسست بتوافقات الإقليمية. فالقوات الكوردية تطالب بضمانات دستورية واعتراف سياسي بالإدارة الذاتية، ودمج قواتها ضمن هيكلية أمنية جديدة بشروط واضحة، بينما تصرّ الحكومة الانتقالية على مركزية الدولة وترفض أي صيغة لامركزية. الولايات المتحدة تدعم استمرار الحوار دون فرض تسوية، فيما تستخدم روسيا الملف الكوردي كورقة ضغط على دمشق وأنقرة. أما تركيا فتقف كعقبة رئيسية أمام أي تقدم، إذ ترفض بشكل قاطع أي صيغة تمنح الكورد نفوذاً سياسياً أو عسكرياً، وتعتبر ذلك تهديداً مباشراً لأمنها القومي. هذا التعقيد يجعل المفاوضات أقرب إلى إدارة أزمة مستدامة منها إلى مسار حل سياسي.
من جهتها البنية الاجتماعية–السياسية للصراع تزيد المشهد تعقيداً. فالمجتمع السوري اليوم منقسم بين مناطق نفوذ مختلفة، لكل منها اقتصادها المحلي، ومناهجها التعليمية، وأجهزتها الأمنية، وشبكاتها الاجتماعية. هذا التشظي يعمّق الانقسام بين المكونات ، وبين الريف والمدينة، وبين المناطق الخاضعة لتركيا وتلك الخاضعة لدمشق أو الإدارة الذاتية. كما أن الاقتصاد السوري، الذي انهار بفعل الحرب والعقوبات والفساد، أصبح اقتصاداً مجزأً يعتمد على شبكات تهريب، وتحويلات خارجية، وموارد محلية محدودة، ما يجعل إعادة توحيد البلاد اقتصادياً مهمة شديدة الصعوبة.
التوتر على الحدود الجنوبية للبنان لا يمكن فصله عن الحسابات الإقليمية، خصوصاً في ظل ارتباط حزب الله بالمعادلات الإيرانية، ما يجعل الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة لأي ارتداد محتمل للصراع بين طهران وتل أبيب. لتجعل الاستقرار رهينة توازنات خارجية حيث خارطة نفوذ تتوزع بين الدولة الضعيفة، وحزب الله كقوة عسكرية–سياسية مهيمنة، وتدخلات إقليمية ودولية
وفي اليمن، يعكس اشتداد الصراع إعادة توزيع لمراكز القوة، لكنه لا يشير بالضرورة إلى اقتراب نهاية الأزمة. فالتوازنات اليمنية شديدة التعقيد، وتداخل النفوذ السعودي والإماراتي والإيراني، وحتى الإسرائيلي الذي رسّخ حضوره في الجوار اليمني عبر الاعتراف بدولة أرض الصومال (صوماليلاند)، يجعل أي تغيير ميداني هشاً ما لم يُترجم إلى مسار سياسي واضح. السعودية، التي انخرطت في الصراع لمواجهة النفوذ الإيراني، تحاول إعادة صياغة دورها الإقليمي وسط معارضة إماراتية متزايدة، بينما تبقى الأطراف اليمنية نفسها غير قادرة على الالتزام بتسوية طويلة الأمد.
أما العراق، فإن الحديث الأمريكي عن “نهاية دور الميليشيات” يعكس رغبة واشنطن في إعادة تشكيل المشهد الأمني بما يتناسب مع المخطط المرسوم للمنطقة وملائم لمصالحها الاستراتيجية، لكنه يصطدم بواقع سياسي واجتماعي معقد. فالدولة العراقية لا تستطيع استعادة سيادتها الكاملة دون معالجة ملف السلاح خارج إطار الدولة، وهذا الملف مرتبط بشبكات نفوذ إيرانية ومحلية يصعب تفكيكها.
وفي هذا السياق، يشكّل الحشد الشعبي أحد أكثر عناصر المشهد العراقي تعقيداً، ليس فقط بسبب حجمه العسكري وانتشاره الجغرافي، بل بسبب تداخله البنيوي مع الدولة. فالحشد، الذي نشأ كقوة تعبئة شعبية لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، تحوّل تدريجياً إلى فاعل سياسي–عسكري يمتلك نفوذاً يتجاوز حدود المؤسسات الرسمية. ورغم دمجه شكلياً ضمن القوات المسلحة، إلا أن العديد من فصائله تحتفظ بسلاسل قيادة مستقلة ومرجعيات عقائدية وسياسية مرتبطة بطهران، ما يجعل قرار الدولة في ملف السلاح خارج إطارها رهينة توازنات دقيقة بين الحكومة والقوى الموالية لإيران. هذا الوضع يخلق معادلة أمنية هشّة، ويجعل أي محاولة لإعادة هيكلة القطاع الأمني محفوفة بمخاطر الانقسام الداخلي.
يتداخل هذا المشهد مع الصراع الأمريكي–الإيراني الذي يجعل العراق ساحة مركزية للمواجهة غير المباشرة بين الطرفين. فالولايات المتحدة تسعى إلى تقليص نفوذ إيران عبر دعم المؤسسات الرسمية وتعزيز دور الجيش، بينما تعتبر طهران العراق عمقاً استراتيجياً لا يمكن التفريط به، وتستخدم شبكة واسعة من الفصائل المسلحة والأحزاب لضمان استمرار نفوذها السياسي والعسكري. وبين هذين الضغطين، تجد الحكومة العراقية نفسها أمام معادلة معقدة: ضغط أمريكي لإعادة ضبط السلاح، وضغط إيراني للحفاظ على بنية النفوذ الحالية. وهذا التوازن القلق يجعل أي تغيير جذري في العراق مرتبطاً مباشرة بمسار الصراع بين واشنطن وطهران، وليس فقط بقدرة بغداد على اتخاذ قرارات سيادية، هذا الى جانب إقليم كردستان، الذي يشكّل عاملاً محورياً في المعادلة العراقية والإقليمية. فالإقليم يتمتع بخصوصية سياسية واقتصادية وأمنية، ويملك علاقات دولية واسعة، خصوصاً مع الولايات المتحدة، ما يجعله لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية. وتتأرجح علاقته مع بغداد بين التفاهم والتوتر، خصوصاً في ملفات النفط والغاز والموازنة والمناطق المتنازع عليها. إضافة إلى ذلك، يشكّل الإقليم نقطة ارتكاز للوجود الأمريكي، ومساحة ضغط على إيران، ما يجعله جزءاً من شبكة التفاعلات الإقليمية التي تتجاوز حدود العراق الداخلية.
تشكل التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط عاملاً ضاغطاً على السياسة التركية، التي تجد نفسها أمام شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية والدولية. فتركيا، التي اعتمدت خلال العقد الماضي على سياسة الانخراط متعدد الجبهات في سوريا والعراق وشرق المتوسط والقوقاز والبحر الأحمر، تواجه اليوم بيئة إقليمية أكثر تشابكاً، تقلّص هامش المناورة وتفرض عليها إعادة تقييم أولوياتها الاستراتيجية.
أول هذه التحديات يتمثل في الملفين الكوردي والسوري، حيث باتت القضية الكوردية في تركيا ومستقبل الإدارة الذاتية الكوردية العامل الأكثر حساسية بالنسبة لأنقرة. فاستمرار الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية، وتعثر المفاوضات بين دمشق والقوات الكوردية، وإمتناع الدولة التركية بالوفاء تجاه حل القضية الكوردية في تركيا ،وتراجع النفوذ الإيراني في بعض المناطق، كلها عوامل تدفع تركيا إلى التشدد في موقفها، وربما التفكير في عمليات عسكرية جديدة لفرض وقائع ميدانية قبل أي تسوية سياسية. هذا الارتباط المباشر بين التطورات السورية والأمن القومي التركي يجعل أنقرة في حالة استنفار دائم، ويحدّ من قدرتها على الانخراط في ملفات أخرى دون حسابات دقيقة، أن كان في العراق، فإن إعادة تشكيل المشهد الأمني، خصوصاً ما يتعلق بمستقبل الميليشيات ودور الحشد الشعبي، ينعكس مباشرة على الاستراتيجية التركية. فأنقرة التي تنظرعلى إقليم كوردستان كعمق عملياتي في حربها ضد حزب العمال الكردستاني، وأي تغيير في توازنات إقليمية سيؤثر على وجودها العسكري واتفاقياتها الاقتصادية ونفوذها في المناطق المتنازع عليها. هذا يجعل العراق ساحة لا يمكن لتركيا تجاهلها، بل جزءاً من معادلة أمنها القومي.
كما أن التحولات في البحر الأحمر والقرن الإفريقي—خصوصاً تداخل النفوذ السعودي والإماراتي والإيراني، والحضور الإسرائيلي في صوماليلاند—تفرض على تركيا إعادة حساباتها، نظراً لاعتمادها على هذا الممر الحيوي في تجارتها، ووجود قواعد عسكرية لها في الصومال، وتنافسها مع الإمارات على النفوذ في المنطقة،وسعيها للعب دور قيادي في العالم الأسلامي .إن أي تغيير في ميزان القوى هناك سيؤثر على أمن خطوط الإمداد التركية وعلى حضورها في إفريقيا.
هذه التحديات مجتمعة تضع تركيا أمام ثلاثة مسارات محتملة: إما التكيف الاستراتيجي عبر تخفيف تعدد الجبهات والبحث عن تفاهمات مع الداخل وتفعيل مسار حل القضية الكوردية، ومع دمشق وبغداد وطهران؛ أو التصعيد المحسوب لفرض وقائع ميدانية جديدة، خصوصاً في سوريا والعراق؛ أو إعادة التموضع الإقليمي وانتظار ما هو مرسوم للمنطقة وبقدر ما تنجح أنقرة في إدارة هذه الملفات المتشابكة، بقدر ما تستطيع الحفاظ على دورها الإقليمي في مرحلة تعيد فيها المنطقة تشكيل موازين القوى.
في إيران، تتجاوز الاحتجاجات الأخيرة حدود المطالب المعيشية لتتحول إلى أزمة شرعية تضرب بنية النظام السياسي. فالتدهور الاقتصادي لم يكن سوى الشرارة التي كشفت هشاشة العقد الاجتماعي الذي حاولت الدولة فرضه على المجتمع. ومع تصاعد الهتافات المطالبة بتغيير القيادة، تبدو السلطة أكثر ميلاً إلى استخدام القوة، ما يعكس إدراكها لخطورة اللحظة. هذا الاضطراب الداخلي يحدّ من قدرة طهران على المناورة الإقليمية، ويجعلها أكثر عرضة للضغوط الأمريكية والإسرائيلية، خصوصاً في ظل مراقبة دقيقة لأي تصعيد قد يعيد فتح ملفات الصراع التقليدية. وتنعكس هذه الأزمة على خارطة النفوذ الإيراني في المنطقة، حيث يتراجع هامش الحركة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ما يفتح الباب أمام إعادة توزيع محتملة لمراكز القوة الإقليمية.
هذه الصورة المركّبة تفتح الباب أمام سيناريوهات رئيسية لمستقبل المنطقة.
السيناريو الأول يقوم على تسويات جزئية برعاية دولية، تشمل ترتيبات أمنية محدودة دون حلول سياسية شاملة. ويمنع تحقق هذا السيناريو تعنّت الأطراف المحلية، والممانعة التركية لأية حلول للقضية الكوردية ومحاولاتها لتذويبها في الأزمة البنيوية للدولة، وتضارب المصالح بين روسيا والولايات المتحدة.
أما السيناريو الثاني ، وهو الأكثر خطورة، فيقوم على تصعيد إقليمي واسع، سواء عبر مواجهة تركية–كوردية في سوريا، أو مواجهة أمريكية/إسرائيلية–إيرانية في لبنان وسوريا، أو انهيار داخلي في إحدى الدول المحورية. وتظهر مؤشراته المبكرة في تكثيف الضربات الإسرائيلية ضد الوجود الإيراني، وتزايد الاحتكاك بين القوات الروسية والأمريكية، وتصعيد تركي محتمل ضد مناطق الإدارة الذاتية.
السيناريو الثالث يقوم على إعادة تشكيل إقليمي برعاية دولية، حيث تدفع الضغوط المتراكمة القوى الكبرى إلى فرض هندسة سياسية–أمنية جديدة للمنطقة، تشمل إعادة توزيع النفوذ، وترتيبات أمنية في سوريا والعراق ولبنان واليمن، وإدماج القضية الكوردية ضمن إطار سياسي أوسع، ووضع آليات دولية لضبط الحدود وإدارة الموارد. يتحقق هذا السيناريو إذا وصلت المنطقة إلى نقطة انسداد استراتيجي تجعل استمرار الوضع القائم أكثر كلفة من تغييره، وتوافرت إرادة دولية موحّدة لفرض تسوية شاملة.
أما السيناريو الرايع، فهو سيناريو التسوية الكبرى بعد صدام محدود، حيث تشهد المنطقة مواجهة عسكرية محسوبة — تركية–كوردية، أو إسرائيلية–إيرانية، أو أمريكية–إيرانية — لا تتطور إلى حرب شاملة، بل تُستخدم كصدمة استراتيجية تدفع الأطراف نحو طاولة مفاوضات واسعة. في هذا السيناريو، يشكّل الصدام المحدود مدخلاً لإعادة رسم خطوط النفوذ وفتح مسار تفاوضي شامل يشمل مستقبل سوريا، ودور إيران الإقليمي، ووضع الميليشيات في العراق، ومستقبل الإدارة الذاتية الكوردية، وأمن الحدود التركية، والملفات الأمنية في لبنان واليمن. وهو سيناريو مرجّح إذا استمرت مؤشرات التصعيد دون رغبة حقيقية لدى الأطراف في الذهاب إلى مواجهة مفتوحة.
في ضوء هذه السيناريوهات، يبدو أن مستقبل الشرق الأوسط سيظل رهين قدرة الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين على إدارة التوازنات المعقدة دون الانزلاق إلى مواجهات جديدة تعيد المنطقة إلى نقطة أبعد من الصفر، بحيث يُعاد النظر في الخارطة السياسية للمنطقة برمتها كحل مستدام يضع حداً لأزمات تم افتعالها. فالأزمات ليست منفصلة، بل مترابطة ومتشابكة، وخارطة النفوذ ليست ثابتة، بل تتغير باستمرار، ما يجعل أي مقاربة سياسية بحاجة إلى فهم عميق لهذه التشابكات.في ضوء هذه السيناريوهات، يبدو أن مستقبل الشرق الأوسط سيظل رهين قدرة الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين على إدارة التوازنات المعقدة دون الانزلاق إلى مواجهات جديدة تعيد المنطقة إلى نقطة أبعد من الصفر بحيث يعاد النظرفي الخارطة السياسية للمنطقة برمتها كحل مستدام يضع حدا لأزمات تم افتعالها . فالأزمات ليست منفصلة، بل مترابطة و متشابكة، وخارطة النفوذ ليست ثابتة، بل تتغير باستمرار، ما يجعل أي مقاربة سياسية بحاجة إلى فهم عميق لهذه التشابكات.