الصحفي حيدر فليح الشمري :
لم تكن أزمة الأديب والمفكّر في أي زمن نابعة من فقر الأفكار ، بل من امتحان الموقف ، فالمعرفة وحدها لا تصنع مثقفًا ، كما أن البلاغة لا تخلق رسالة ، ما لم تُدعَم بضمير يقظ ومسافة أخلاقية تفصل بين الشاهد والمتواطئ . واليوم في زمن المنصات المفتوحة والآراء السريعة ، يقف الأديب أمام أخطر اختبار في تاريخه :
هل يظل شاهدًا على عصره ، أم يتحوّل إلى صدى لضجيجه ؟
في الماضي كان الأديب يُحاصَر أحيانًا بالقمع لكنه كان يعرف عدوه بوضوح ، السلطة كانت مرئية والخط الأحمر واضح المعالم والصمت موقف يُدان بقدر الكلام أما اليوم ، فالمشهد أكثر التباسًا ، لم تعد السلطة وحدها هي الخطر بل تحوّل الجمهور ذاته إلى سلطة ، وتحوّل “ الإعجاب ” إلى معيار ، و” الترند ” إلى قاضٍ ، و” الانتشار ” إلى إغراءٍ أخلاقي قد يبتلع جوهر الرسالة .
أخطر ما يواجه الأديب المعاصر ليس أن يُمنع من الكلام بل أن يُدفع للكلام بلا تفكير ، أن يُستدرج إلى التعليق بدل التحليل وإلى الانفعال بدل التفكيك وإلى الاصطفاف بدل المساءلة ، هنا لا يُقمع الصوت بل يُفرّغ من مضمونه ، ولا تُكسر الأقلام ، بل تُلمّع حتى تفقد حدّها .
لقد أصبح من السهل على الأديب أن يتحوّل إلى “ مؤثّر ” ، لكن من الصعب عليه أن يبقى مثقفًا ، المؤثّر يُرضي الجمهور ، أما المثقف فيُقلقه ، المؤثّر يقدّم أجوبة جاهزة ، أما المثقف فيزرع الأسئلة ، المؤثّر ابن اللحظة ، أما المثقف فهو ابن المعنى ، وبين الاثنين مسافة أخلاقية لا تُقاس بعدد المتابعين ، بل بقدرة الكاتب على الوقوف وحيدًا حين تتزاحم الأصوات .
التحدي الأخلاقي الحقيقي يتمثل في الحفاظ على المسافة النقدية ، تلك المسافة التي تمنح الأديب حق النظر من خارج الاستقطاب لا من داخله ، فحين يذوب الكاتب في معسكر يفقد وظيفته بوصفه مرآة ، ويتحوّل إلى نشرة ، وحين يستبدل الموقف الأخلاقي بالموقف الانفعالي ، يصبح جزءًا من المشكلة التي يدّعي مقاومتها .
ليس مطلوبًا من الأديب أن يكون محايدًا ، فالحياد في القضايا الإنسانية الكبرى قد يكون خيانة صامتة ، لكن المطلوب أن يكون ” منحازًا بوعي ” لا منجرفًا ، أن يدافع عن الإنسان لا عن الشعارات ، عن الحرية لا عن الجماعة ، عن العقل لا عن القطيع ، وهذا يتطلّب شجاعة داخلية أكبر من شجاعة المواجهة الخارجية .
في هذا السياق تتبدّى رسالة الأديب اليوم أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في الماضي ، لم يعد دوره أن يكتب ضد الاستبداد فحسب ، بل أن يفضح أشكال الاستبداد الناعمة : استبداد الرأي الواحد ، واستبداد الخوارزميات ، واستبداد السوق ، واستبداد “ الرأي العام ” حين يتحوّل إلى جلاد ، إن الدفاع عن الإنسان اليوم يمرّ عبر مقاومة تسطيحه ، وتحويله إلى رقم أو صورة أو رأي عابر .
الأديب الحقيقي هو من يبطئ الزمن في عالم مسرع ، ويعيد الاعتبار للتأمل وسط العجلة ، وللمعنى وسط الضجيج ، هو من يرفض أن يكون تابعًا ، حتى لو دفع ثمن العزلة ، ومن يختار أن يكون شاهدًا ، لا مروّجًا ، ومساءلًا ، لا مبرّرًا .
إذا كان الماضي يحتاج إلى من يحفظ الذاكرة ، فإن الحاضر يحتاج إلى من يحمي الضمير ، وإذا كان القمع قد أسكت أقلامًا في الأمس ، فإن الإغراء قد يُفرغ أقلامًا اليوم ، وهنا تحديدًا تتجلّى رسالة الأديب والمفكّر :
أن يبقى وفيًّا للحقيقة ، حتى حين تصبح مكلفة ، وأن ينحاز للإنسان ، حتى حين يصبح هذا الانحياز غير مربح .