« كوادر غير موجودة سدو النقص.. بأي طريقة المهم التعليم يمشى …»

تزرين يعقوب سولا
مشرفة تربوية

بهذه العقلية، تحوّل سدّ النقص إلى لعبة أرقام لا جودة. الاسم موجود في السجلات، لكن الكفاءة غائبة في الصف. «نكمّل الجدول وبس»، أما الطالب فليتدبّر أمر الفهم وحده، أو يلجأ إلى الدروس الخصوصية كحل إسعافي دائم..
هكذا يُدار التعليم بمنطق: لا تسأل كيف، ولا لماذا، فقط تأكّد أن الجرس يرنّ. أما ما يحدث داخل الصف، فذلك تفصيل لا يدخل في التقارير…
كان التعليم في العراق يومًا ما يُضرَب به المثل، لا مجازًا ولا حنينًا فارغًا. في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كانت المدرسة العراقية تضاهي — بشهادة خبراء وتقييمات دولية — أنظمة تعليمية متقدمة، حتى قيل إنها تقترب من النموذج الإسكندنافي في الانضباط، ومكانة المعلّم، وجودة المناهج. لم يكن ذلك ترفًا، بل ضرورة.
فماذا يحدث اليوم؟
ما يحدث ليس انهيارًا مفاجئًا، بل تآكلٌ بطيء. «الماء تنحت بالصخر»، لكن الإهمال ينحت أسرع. تعاقبت الحروب، والحصار، ثم الفوضى الإدارية، فتراجع التعليم خطوة بعد أخرى. المعلّم الذي كان رمزًا للهيبة صار يبحث عن مصدر رزق إضافي، والمدرسة التي كانت مختبرًا للعقل تحوّلت إلى بناية تؤدّي واجب الدوام فقط.
اليوم يُدار التعليم بمنطق «سدّوا النقص بأي طريقة… المهم يمشي الحال». كوادر غير مختصّة، ترقيع في المناهج، قرارات آنية بلا رؤية. لم يعد السؤال: ماذا يتعلّم الطالب؟ بل: هل اكتمل الجدول؟ هل رنّ الجرس؟ وهنا يكمن الخلل.
وكأن التعليم سيارة قديمة، تُدفع من الخلف بدل أن تُصلَّح، تسير نعم، لكنها لا تعرف إلى أين.
في السابق، كانت المدرسة الحكومية فخرًا، واليوم تُدفع العائلات، قسرًا لا اختيارًا ، نحو التعليم الأهلي والدولي. لا لأن هذه المدارس معجزة، بل لأن الحكومية تُركت بلا دعم حقيقي. وكما في الصحة، حين يضعف المستشفى الحكومي تزدهر العيادات الخاصة.
الفرق بين الأمس واليوم أن التعليم كان مشروع دولة، وأصبح اليوم ملفًا مؤجَّلًا. بالأمس كان التخطيط طويل الأمد، واليوم قرارات إسعافية. بالأمس كان المعلّم يُبنى، واليوم يُستنزف.
المشكلة ليست في الطالب، ولا حتى في المنهج وحده، بل في غياب الإرادة. فالتعليم لا ينهض بالشعارات، ولا يُدار بالصدفة. وكما يقول المثل الشعبي:
«البيت اللي ما له أساس، أول هزّة تطيحه».
ما يحدث اليوم هو نتيجة سنوات من إهمال الأساس. والسؤال الحقيقي ليس: لماذا تراجع التعليم؟
بل: متى يُعاد اعتباره أولوية وطنية لا بندًا ثانويًا في الموازنة؟
إن كان للعراق أن يستعيد شيئًا من مكانته، فالبداية من المدرسة… لا من الخطابات.

قد يعجبك ايضا