أ.د.خليل مصطفى عثمان
لا يُعدّ منصب رئيس الجمهورية في العراق منصبًا شكليًا أو بروتوكوليًا فحسب، بل يمثل إحدى أعقد العقد السياسية في النظام العراقي بعد عام 2003. فهو منصب تتقاطع عنده التوازنات القومية والطائفية والحزبية، وتُختبر عبره قدرة القوى السياسية على إدارة الخلاف ضمن الإطار الدستوري دون الوصول إلى الشلل السياسي.
ينص الدستور العراقي على انتخاب رئيس الجمهورية من قبل مجلس النواب، بأغلبية ثلثي الأعضاء في الجولة الأولى، وفي حال عدم تحقق النصاب، تُجرى جولة ثانية يُكتفى فيها بالأغلبية البسيطة.
ورغم وضوح النص الدستوري، إلا أن التطبيق العملي أفرز عُرفًا سياسيًا مفاده أن يكون المنصب من حصة المكوّن الكوردي، دون أن ينجح الكورد في تحويل هذا العرف إلى آلية داخلية موحدة لاختيار مرشح واحد.
تكمن عقدة الترشيح، في جوهرها، داخل البيت الكوردي.
فالاتحاد الوطني الكوردستاني ينظر إلى المنصب باعتباره امتدادًا لإرث سياسي تاريخي، بينما يرى الحزب الديمقراطي الكوردستاني أن التحولات الانتخابية الأخيرة تمنحه حق كسر الاحتكار وإعادة توزيع الاستحقاقات.
السيناريوهات المحتملة للحسم
أولًا: مرشح توافقي كوردي
وهو السيناريو الأفضل نظريًا، ويقوم على اتفاق داخلي كوردي يسبق الذهاب إلى البرلمان، مع دعم شيعي–سني متوازن.
هذا السيناريو يعزز وحدة الموقف الكوردي ويقوّي القدرة التفاوضية، لكنه يظل الأضعف حاليًا بسبب عمق انعدام الثقة بين الاطراف الكوردستانية.
ثانيًا: مرشح الاتحاد الوطني الكوردستاني بدعم شيعي و اطراف سنية
وهو السيناريو الأكثر تكرارًا في التجربة السياسية العراقية. يعتمد على تحالفات راسخة داخل البيت الشيعي تُمكّن الاتحاد الوطني من تمرير مرشحه رغم اعتراض الاحزاب الكوردستانية الاخرى.
نجاح هذا السيناريو لا يعني انتصارًا كورديًا، بل تكريس الانقسام وخلق مشاكل سياسية داخل اقليم كوردستان وإضعاف الوزن السياسي للكورد في بغداد.
ثالثًا: مرشح الحزب الديمقراطي الكوردستاني بدعم عابر للمكونات
يقوم هذا السيناريو على تحالف قوي مع القوى السنية ومحاولة اختراق الموقف الشيعي. ورغم صعوبته، إلا أنه ليس مستحيلًا في حال حدوث تحولات سياسية كبيرة.
غير أن مخاطره تكمن في احتمال رد فعل سياسي حاد، سواء داخل البرلمان أو داخل الإقليم.
رابعا: ترشيح شخصية من الاتحاد الإسلامي الكوردستاني أو شخصية كوردية مستقلة
يبرز هذا السيناريو كخيار بديل في حال تعثّر الحزبين الرئيسيين عن الحسم أو الوصول إلى تسوية. يقوم على طرح شخصية أقل استفزازًا، لكنها تفتقر إلى قاعدة برلمانية صلبة، ما يجعل فوزها مرهونًا بدعم الحزبين الكبيرين أو توافق شيعي حاسم. غالبًا ما يُستخدم هذا الخيار كأداة ضغط لكسر الجمود السياسي أكثر من كونه مسارًا واقعيًا للحسم. حظوظه تبقى محدودة ما لم يتحول إلى جزء من اتفاق شامل داخل البيت الكوردي
خامسا: التعطيل والفراغ
يبرز هذا السيناريو عندما يعجز أي طرف عن جمع الأصوات اللازمة، فتُعطَّل جلسات البرلمان ويُستخدم المنصب كورقة ضغط.
وهو أسوأ الاحتمالات، لأنه يُفقد المنصب قيمته السياسية ويحوّل الكورد إلى طرف متهم بعرقلة العملية الدستورية.
كيف ينتهي الصراع لحسم منصب رئاسة الجمهورية؟
هناك ثلاثة مسارات محتملة:
1. تسوية سياسية داخلية تتجاوز المنصب إلى ملفات أوسع كالموازنة والنفط والعلاقة مع بغداد.
2. حسم خارجي غير معلن عبر ضغوط سياسية تفرض مرشحًا بعينه.
3. استنزاف متبادل ينتهي بحل مفروض من خارج البيت الكوردي.
الخبرة السياسية تشير إلى أن التسوية المتأخرة هي السيناريو الأكثر ترجيحًا، لكنها غالبًا تأتي بعد خسائر سياسية ومعنوية.
استمرار الخلاف حول المنصب يؤدي إلى:
إضعاف الموقع التفاوضي للكورد في بغداد
فتح المجال لتدخل القوى الأخرى في الشأن الكوردي
تحويل الاستحقاقات الدستورية إلى أوراق ابتزاز
في المقابل، فإن الحد الأدنى من التفاهم الكوردي كفيل بالحفاظ على المكاسب السياسية ومنع تآكل الدور الكوردي الاتحادي.
إن أخطر ما يواجه الاستحقاق الكوردي في بغداد اليوم ليس قوة الخصوم، بل انقسام البيت الكوردي واستدعاء الإرادة الخارجية لحسم خلاف داخلي. لقد قدّمت مبادرة الرئيس مسعود البارزاني نموذجًا واضحًا للمخرج الممكن: حوار كوردي–كوردي، قرار مستقل، وتغليب المصلحة القومية على المكاسب الحزبية الآنية.
إن السماح بفرض الحلول من خارج الإرادة الكوردية لا يحسم الأزمة، بل يُضعف الموقع الكوردي في بغداد ويحوّل الاستحقاقات الدستورية إلى أوراق بيد الآخرين. وحدة الموقف ليست ترفًا سياسيًا، بل شرط بقاء وتأثير. وعلى النخب الكوردية أن تدرك أن الخلاف الداخلي، مهما بدا محدودًا، حين يُنقل إلى بغداد يتحول إلى خسارة جماعية لا رابح فيها.
فالقرار الكوردي إن لم يُصنع في البيت الكوردي،
سيُصاغ خارجه… وعلى حساب الجميع.