حكايات الجبال ذاكرة الكورد الحيّة

نوري جاسم

تعيش الذاكرة الكوردية في الجبال والوديان والقرى البعيدة أكثر مما تعيش في الكتب والمؤسسات الرسمية. فالكورد أمة تعلّمت أن تحفظ تاريخها بالأغاني والحكايات حين كانت الأوراق تُحرق والأسماء تُمحى واللغات تُمنع. هناك، في حضن الجبل، كانت الجدة تروي قصة، وكان الدنكيج يغنّي ملحمة، وكانت الأم تهمس بمرثية، فيكبر الطفل وهو يحمل وطنًا كاملًا في قلبه لا في الدفاتر. لا تُروى الحكايات الكوردية لمجرد التسلية، بل لأنها تحمل معنى البقاء، وتحوّل الألم إلى لحن، والحرمان إلى قصة تستمر في العيش. فمن خلال الحكايات الشعبية والأساطير القديمة وقصص العشق والبطولة وملاحم النضال، استطاع الكورد أن يصنعوا أرشيفهم الشفهي الذي لم تستطع العواصف السياسية أن تمزقه. الأغاني الكوردية ليست مجرد كلمات تُغنّى، إنها رسائل مشفّرة من التاريخ، تحمل أسماء القرى المفقودة، والطرق الوعرة، والشهداء الذين رحلوا وبقوا في الذاكرة. فعندما يُغنّى اسم المكان يبقى حيًا، وعندما تُروى قصة الإنسان ينجو من النسيان. لذلك فإن الجبال لم تكن مجرد جغرافيا للكورد، بل كانت مكتبة عالية، ودفترًا مفتوحًا على السماء، تحفظ الأصوات والضحكات والدموع، وتعيد روايتها لكل جيل جديد. إن حكايات الجبال هي الذاكرة الحية للكورد، ذاكرة لا تُختصر في تاريخ رسمي ولا تُحاصَر بحدود، لأنها محفوظة في القلوب والحنجرات، تنتقل مثل النار الدافئة في ليالي البرد الطويلة. وهكذا يبقى الشعب الكوردي وفيًّا لرسالته القديمة: أن يحفظ نفسه بالرواية، وأن يجعل من الأغنية جسرًا بين الماضي والمستقبل، ومن الحكاية روحًا لا تموت مهما تغيّرت الأزمنة وتبدّلت الخرائط. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..

قد يعجبك ايضا