تشن جيه، رئيس معهد الدراسات الدولية والاقليمية في جامعة صون يات سين
فنغ تشى، باحثة مساعدة في معهد الدراسات الدولية والاقليمية في جامعة صون يات سين

وُضع الشرق الأوسط تحت عنوان لافت نقل الأعباء وبناء السلام في أحدث وثائق استراتيجية الأمن القومي الأمريكية. ويعكس هذا التعبير تحولاً في نظرة الولايات المتحدة إلى دور المنطقة، إذ لم تعد تعامل باعتبارها ساحة مركزية لتدخل طويل الأمد وعالي الكلفة، بل يُنظر إليها ضمن إطار استراتيجي قابل للإدارة، يقوم على تقاسم المسؤوليات وتعزيز الشراكات، وتحويل المنطقة إلى فضاء يمكن ضبطه وإدارتها والاستثمار فيه.
أولا: تفسير “مكانة الشرق الأوسط” في النصوص الاستراتيجية
أولا، يقدم تقرير استراتيجية الأمن القومي الأمريكي مراجعة سياسة الشرق الأوسط على مدى نصف القرن الماضي. وطوال هذه الفترة، وضعت السياسة الخارجية الأميركية الشرق الأوسط في مكانة الأولوية، انطلاقا من كون المنطقة تجمع بين صفتين أساسيتين في آنٍ واحد: فهي من جهة أهم مصدر عالمي لإمدادات الطاقة، ومن جهة أخرى ساحة رئيسية لتنافس القوى الكبرى، فضلًا عمّا تشهده من صراعات تحمل قابلية الانتشار إلى خارج الإقليم، وصولًا إلى النظام الدولي، بل وحتى الأراضي الأميركية نفسها.
غير أن الشروط التي أسست هذا التوجه بدأت تتغير. ففي الإطار التقييمي الجديد، يُعاد تركيب الموقع الاستراتيجي للشرق الأوسط على ثلاثة مستويات تالية.
أولا، على المستوى الاقتصادي، أصبحت منطقة الشرق الأوسط منطقة استثمارية مرتفعة تجمع بين رأس المال الطاقي ورأس المال التكنولوجي الجديد
ثانيا، على المستوى الجيوسياسي، تعتبر منطقة الشرق الأوسط نقطة ارتكاز أمنية مهمة لاحتواء توسع “القوى المعادية”. تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان عدم وقوع طاقة الخليج في أيدي قوى معادية معلنة، والحفاظ على حركة الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، ومنع تحول المنطقة إلى أرض خصبة للإرهاب يستهدف المصالح الأمريكية، والحفاظ على أمن إسرائيل.
ثالثا، على مستوى الإصلاح الاجتماعي، تحول تركيز السياسة الأمريكية نحو تشجيع الإصلاح الذاتي والتدرجي في دول الشرق الأوسط، وتعزيز التعاون على أساس المصالح المشتركة في الأمن والتنمية، للحفاظ على استقرار المنطقة.
ثانيا: التأمل الضروري حول “نظرية حدود القيمة”
على الرغم من أن الوثائق الاستراتيجية أصبحت أكثر واقعية في نبرتها، إلا أن فهمها الشامل للشرق الأوسط لا يزال يحمل ضمنياً “نظرية القيمة المحدودة” طويلة الأمد: أهمية الشرق الأوسط تأتي في المقام الأول من مساهمته الوظيفية للنظام الخارجي، وليس من قيمته الحضارية والحوكمة الذاتية.
من منظور الإرث التاريخي، تحمل الثقافة العربية الإسلامية، التي توصف بأنها “لم تنقطع وشكلت نظاما مستقلا”، تراكمًا حضاريًا يمتد لآلاف السنين. تشكل إرث حضارتي بلاد الرافدين ووادي النيل، إلى جانب الجوهر الروحي للثقافات الدينية مثل الإسلام والمسيحية، الجينات الثقافية الفريدة لمنطقة الشرق الأوسط. يمتزج الثقافة بوظيفة الربط، حيث إن التركيبة العرقية والدينية في الشرق الأوسط معقدة، والتقاليد الثقافية والقيم المشتركة والعادات الحياتية تشكل جسورا روحية تتجاوز الحواجز العرقية والمذهبية. بالإضافة إلى ذلك، تحمل القيمة الثقافية الذاتية للشرق الأوسط حكمة داخلية للحكم الإقليمي. آليات التشاور القبلية التقليدية، ومفاهيم العدالة في الأخلاق الدينية، وتقاليد التعاون في توزيع الموارد، كلها تشكل هياكل هوية اجتماعية مستقرة ودائمة. لا تزال أخلاقها العامة ومعاييرها الاجتماعية تؤثر بعمق في السياسة وأساليب الحكم في المنطقة حتى اليوم.
إن تجاهل هذا البعد الحضاري والاجتماعي يؤدي غالبا إلى سوء تقدير القوى الخارجية عند تقييم قضايا الشرق الأوسط. فالمبالغة في تقدير القدرة الاجتماعية على التحمل أو التقليل من مرونة السياسة في التصميم السياسي، تتسبب مرارًا وتكرارًا في فجوة بين تأثير التدخل والهدف المتوقع، مما يزيد من عدم اليقين الإقليمي إلى حد ما.
ثالثا: إعادة النظر في “المساهمة الثنائية” بين الشرق الأوسط والولايات المتحدة
أكدت الولايات المتحدة بشكل كاف على استثماراتها في الشرق الأوسط في التقرير الاستراتيجي، بما في ذلك الالتزامات الأمنية، وصيانة التحالفات، وجهود التدخل لاستقرار المنطقة. ومع ذلك، فإن هذا السرد يقلل في الوقت نفسه من المساهمات طويلة الأجل التي قدمتها دول الشرق الأوسط في النظام العالمي.
لطالما قدمت الشرق الأوسط إمدادات مستقرة لسوق الطاقة العالمي، وهي أساس مهم لتشغيل الاقتصاد الدولي؛ كما وفرت أسواق الشرق الأوسط وتدفقات رأس المال مساحة تنموية هامة للشركات الأمريكية والنظام المالي؛ وفي مجالات مكافحة الإرهاب، ومشاركة المعلومات، وأمن الممرات المائية الرئيسية، تتحمل دول الشرق الأوسط مخاطر كبيرة وتكاليف واقعية في الخطوط الأمامية. هذه المساهمات ليست مجرد إضافات، بل هي جزء أساسي من عمل نظام الأمن والاقتصاد العالمي.
ومع ذلك، لا يزال هناك منطق أحادي الاتجاه في التفكير الاستراتيجي الأمريكي يتمثل في “العطاء والأخذ”، حيث يركز على ما “قدمته” الولايات المتحدة، ويناقش بشكل أقل منهجي ما “قدمه” الشرق الأوسط. هذا الخلل المعرفي لا يؤثر فقط على الثقة المتبادلة بين الجانبين، بل يحد أيضًا من مساحة تطوير الشراكة إلى مستويات أعلى.
خاتمة
في عموم الأمر، يعكس إعادة تموضع الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط انتقالا من التدخل المكثف إلى تقاسم الأعباء وصولا إلى تحويل الشراكات. وهذا التحويل يعكس أيضا تغير الظروف الواقعية. ولكن إذا اقتصر هذا التحول على المستوى الوظيفي، دون إجراء تعديلات متزامنة في الإدراك لقيمة الحضارة الشرق أوسطية والمساهمات المتبادلة، فإن فعالية السياسة ستظل محدودة.
إن سياسة مستقرة ومستدامة تجاه الشرق الأوسط لا بد أن ترسي على قبول شامل لواقع المنطقة فمن ناحية، علينا أن نقبل الموقع الجغرافي والوظائف الاستراتيجية للشرق الأوسط؛ ومن ناحية أخرى، يجب علينا أيضا أن ندرك عمق حضارتها وتقاليدها في الحكم ومسؤولياتها العالمية. فذلك ولا يرتبط هذا بمستقبل الشرق الأوسط فحسب، بل سيؤثر أيضا بشكل مباشر على مصداقية ومصالح الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة على المدى الطويل.