الإعلام.. جدار المناعة ضد جائحة الشائعات

جاسم العقيلي

في عصر الفيضان المعلوماتي، لم تعد الشائعات مجرد أقوال عابرة، بل تحولت إلى “جائحة افتراضية” تهدد كيان المجتمعات وتقوض استقرارها. في خضم هذه العاصفة، يبرز الإعلام الجاد ليس مجرد مراقب أو ناقل، بل كخط دفاع استباقي وجهاز مناعة مجتمعي، يحمل على عاتقه مهمة تنقية الفضاء الرقمي وحماية العقول من التلوث الفكري.

يقوم هذا الدور على ركيزتين أساسيتين: الواجب المهني للإعلام والمسؤولية المشتركة للجمهور. فالإعلام المسؤول يتحرك عبر أدوات منهجية تشكل سداً منيعاً في وجه انتشار الأكاذيب منها ، التثبت والتحقق : من خلال تبني منهجية “الدقة قبل السرعة”، والتحول من سباق الخبر الأول إلى مسابقة الخبر الأصيل، وهنا تكتسب مقولة المفكر ألفين توفلر “في عصر المعلومات، القوة ليست لمن يتحكم في السلاح، بل لمن يتحكم في المعلومات ” .

التوعية والتثقيف : من خلال نشر ثقافة التشكيك الإيجابي وترسيخ أسئلة التحقق: “ما المصدر؟ وما الدليل؟ وما السياق؟”، مما يخلق جمهوراً شريكاً في مواجهة التضليل .

سرعة الرد والتفنيد : ذلك بمواجهة الشائعة بمعلومة دقيقة وشفافة فور ظهورها، لمنع استيطانها في الوعي الجمعي. وهو ما يؤكد عليه الفيلسوف جون لوك بقوله: “المهم ليس نشر الفكرة، بل نشرها في العقول بشكل صحيح ” .

التعاون البناء : وذلك عبر فتح قنوات حوار مع المؤسسات والخبراء، لتقديم رواية متكاملة تقطع الطريق على الروايات المبتورة والمغلوطة .

إلا أن هذه المعركة مصيرية لا يمكن أن يخوضها الإعلام بمفرده. فالمسؤولية شراكة مجتمعية يتقاسمها الجمهور الواعي الذي يتحول من متلقٍ سلبي إلى حارس نشط للحقيقة، يمتنع عن مشاركة المعلومة المشبوهة ويساهم في تصحيحها .

ففي مواجهة فيروس الشائعات، يبقى الإعلام هو خط الدفاع الأول، ولكن نجاحه مرهون بوجود جمهور مُحصّن بالوعي والمساءلة. عندما تلتزم المؤسسة الإعلامية بضمير المهنة، ويتبنى الفرد مسؤولية التحقق، نستطيع معاً تحويل الفضاء الرقمي من ميدان للتهويل والفوضى إلى ساحة للتنوير والثقة، لنصنع مناعة مجتمعية تقهر الوباء الافتراضي بسلاح الحقيقة والشفافية .

قد يعجبك ايضا