خوشناف سليمان
لم تتعثر المفاوضات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية لأن الطرفين غير قادرين على التفاهم. بل لأن أحد الطرفين ما زال يفاوض بعقلية الدولة التي لم تتعلّم من انهيارها. فمنذ توقيع تفاهمات العاشر من آذار/مارس من العام الماضي. قدّمت قوات سوريا الديمقراطية ما يمكن وصفه بأقصى درجات المرونة السياسية الممكنة في سياق سوري معقّد.. القبول بالاندماج في مؤسسات الدولة. فتح النقاش حول وحدة الجيش. و التأكيد على وحدة البلاد. ومع ذلك. قوبلت هذه المقاربة بسلوك حكومي يتّسم بالتأجيل. والمراوغة. و رفض الانتقال من العموميات إلى الالتزامات الفعلية.
في جوهر الخلاف. لا تقف مسألة تقنية أو إدارية. بل صراع بين مشروعين.. مشروع يسعى إلى بناء دولة جديدة بعقد اجتماعي مختلف. ومشروع يحاول إعادة إنتاج الدولة القديمة مع بعض التعديلات الشكلية. قوات سوريا الديمقراطية. التي تشكّلت في قلب الحرب. لم تطلب امتيازات خاصة. بل طالبت بضمانات سياسية تمنع العودة إلى المركزية التي دمّرت البلاد. و فتحت الطريق أمام الاستبداد والانفجار.
في ملف الاندماج العسكري. كان موقف قسد واضحًا.. نعم لجيش وطني موحّد. لكن ليس على قاعدة الإذابة القسرية و لا تحت قيادة تُدار بعقل أمني قديم. فالآلاف من مقاتلي و مقاتلات قسد لم يكونوا ميليشيا طارئة. بل القوة التي هزمت تنظيم داعش حين كانت الدولة السورية غائبة أو عاجزة. تجاهل هذه الحقيقة. ومحاولة التعامل مع قسد كقوة يجب تفكيكها لا شريك يجب استيعابه. هو أحد الأسباب المباشرة لانسداد المسار.
أما في الملف الاقتصادي. و تحديدًا النفط والغاز. فقد كشفت دمشق نواياها بأوضح صورة. فبدل التعامل مع الثروات الباطنية بوصفها موردًا وطنيًا يجب أن يُدار بشفافية وعدالة. أصرت الحكومة على مقاربة استردادية صِرفة، ترى في شرق الفرات خزينة يجب تسليمها دون نقاش. متجاهلة أن هذه الموارد شكّلت شريان الحياة لملايين السكان خلال سنوات الحرب والحصار. مطالبة قسد بإدارة مشتركة وعادلة للعائدات لم تكن نزعة انفصالية. بل محاولة لوضع حدّ لنهب مركزي خبرته المنطقة لعقود.
اللامركزية. التي تصرّ دمشق على تصويرها كتهديد. هي في الواقع الضمانة الوحيدة لوحدة سوريا. شمال وشرق سوريا قدّم نموذجًا. رغم كل نواقصه. لإدارة محلية تشاركية. ضمّت الكرد والعرب والسريان. وأثبتت أن العيش المشترك ليس شعارًا بل ممارسة. رفض الحكومة لهذا النموذج لا ينبع من خوف على وحدة البلاد. بل من خوف على احتكار السلطة.
وفي هذا السياق. تبدو محاولات الحكومة التهرّب من استحقاقات اتفاق آذار جزءًا من سياسة أوسع.. كسب الوقت. امتصاص الضغوط الدولية. ثم العودة إلى فرض الشروط ذاتها. فدمشق لم تقدّم حتى الآن رؤية واضحة لكيفية حماية الحقوق السياسية والثقافية لمكوّنات شمال وشرق سوريا. و لم تُبدِ استعدادًا حقيقيًا لتحويل اللامركزية إلى نص دستوري ملزم. بل اكتفت بوعود فضفاضة لا تُطمئن أحدًا.
مع بداية العام الجديد. عاد الحديث عن مفاوضات جديدة. وبرزت معلومات عن لقاء مرتقب في أربيل بين قيادة قسد و رئيس الحكومة أحمد الشرع. برعاية أمريكية ومشاركة دولية. أهمية هذا اللقاء لا تكمن في انعقاده بحد ذاته. بل في كونه اختبارًا لمدى استعداد دمشق للانتقال من خطاب /استعادة السيادة/ إلى منطق الشراكة الوطنية. فالمجتمع الدولي. و الولايات المتحدة تحديدًا. يدرك أن تجاهل قسد أو محاولة إخضاعها بالقوة لن يقود إلا إلى فوضى جديدة في واحدة من أكثر المناطق حساسية في سوريا.
أما الفيدرالية. التي تُستخدم فزاعة سياسية في الخطاب الرسمي. فهي ليست مشروع تقسيم. بل إحدى الصيغ الممكنة لحماية وحدة سوريا عبر توزيع السلطة لا احتكارها. الإصرار على رفضها دون طرح بديل واقعي يعكس عجزًا عن قراءة التحولات العميقة التي فرضتها سنوات الحرب.
في الخلاصة. لم تفشل المفاوضات لأن قوات سوريا الديمقراطية بالغت في مطالبها. بل لأن الحكومة السورية لم تتحرر بعد من وهم الدولة المركزية المطلقة. شمال وشرق سوريا لا يطالب بالانفصال. بل بدولة تعترف بتعدديتها. وتكافئ من دافع عنها بدل أن تعاقبه. وأي تسوية تتجاهل هذه الحقيقة، لن تكون سلامًا. بل تأجيلًا مؤلمًا لصراع قادم.