من دكتاتورٍ واحد إلى ألف دكتاتور

عرفان الداوودي

كيف دُمِّر العراق وشُوِّهت الدولة؟

لم يكن ما جرى في العراق مجرّد انتقالٍ سياسي، بل كان انحدارًا منظّمًا من استبداد الفرد إلى فوضى الاستبدادات، ومن فسادٍ محدود إلى منظومة فسادٍ هائلة بلا رأسٍ واضح ولا نهاية منظورة. تحوّل العراق من دكتاتورٍ واحد إلى ألف دكتاتور، ومن ظالمٍ واحد إلى آلاف الظالمين، ومن قصرٍ واحد إلى ملايين القصور داخل العراق وخارجه، فيما بقي الشعب بلا مأوى ولا كرامة.

اليوم، لم يعد الفساد استثناءً، بل أصبح القاعدة. عصابات النفوذ تملك البنوك والشركات، وتتحكّم بالاقتصاد والسياسة، وتدير شبكات نهبٍ متشعّبة لا بداية لها ولا نهاية. الجميع ينهب، الجميع يتقاسم (الكعكة)، فيما المواطن يتألم، ويعيش على أرضٍ زراعية مغتصبة أو في تجاوزٍ قسري، صامتًا لا عن رضا، بل خوفًا من القتل أو الخطف أو تهمةٍ جاهزة: إرهاب أو بعثي.

انهارت الدولة، وتفككت مؤسساتها، وتراجعت القيم الأخلاقية والاجتماعية تراجعًا مخيفًا، لا بسبب فقر الناس وحده، بل بسبب الإفقار المتعمّد، والحاجة المصنوعة، والجوع الذي أصبح أداة حكم. فالفساد المستشري، وسوء العملية الانتخابية، ورداءة القوانين، وعدم التزام المتنفذين بها، كلّها أنتجت واجهات وشخصيات هجينة تمتلك المال والسلاح والقدرة على تهديد الدولة نفسها.

الأخطر من ذلك، أن في الحكومة والبرلمان من لا يحمل شهادة أصلًا، أو يحمل شهاداتٍ مزوّرة، وأكثرها مستوردة من الخارج، اشتُريت بحفنة دولارات تحت مسمّى الماجستير والدكتوراه. وقد كُشف مرارًا عن آلاف الشهادات المزوّرة التي مُنحت لعراقيين، دون محاسبة حقيقية. كما تفشّت ظاهرة الضباط (الكلك) في الجيش والشرطة، بينما أُبعد أهل العلم والمعرفة والكفاءة والشخصيات الوطنية، لتُفرَّغ الساحة للمأجورين والمرتزقة والانتهازيين.

أُقصي الأكاديمي، وهُمِّش الخبير، وحورب الوطني، ليفسح المجال لمن لا يملك سوى الولاء والسمسرة وبيع المواقف. هكذا تحوّلت الدولة إلى غنيمة، والمنصب إلى صفقة، والوطن إلى سوق مفتوحة. إن ما دمّر العراق ليس حدثًا واحدًا ولا شخصًا واحدًا، بل منظومة كاملة من الفساد والنهب والإفلات من العقاب. ولن يُبنى العراق من جديد ما لم تُكشف هذه المنظومة، ويُحاسَب رموزها، ويُعاد الاعتبار للقانون، وللعلم، وللكفاءة، وللمواطنة الحقيقية.

فالعراق لا يحتاج شعارات… العراق يحتاج عدالة، ودولة، وضميرًا لا يُباع .

قد يعجبك ايضا