الطمأنينة حق إنساني

نوري جاسم

في عالم يزداد ضجيجًا وسرعةً واستقطابًا، صارت الطمأنينة أندر من الذهب وأغلى من النفط وأصعب من السياسة. لم تعد السكينة حالة وجدانية عابرة، بل تحولت إلى أمن قومي خفي وحاجة اجتماعية ملحّة، ومع ذلك ما زالت خارج لغة الدساتير والقوانين والخطط الحكومية. نطالب بالكهرباء والوظائف والرواتب والخدمات، لكن من يطالب بحقنا في أن نعيش دون خوف داخلي؟ لا حرية بلا طمأنينة، ولا إبداع بلا طمأنينة، ولا عبادة بلا طمأنينة، ولا وطن يستقر فوق قلوب قلقة.

كل الحقوق السياسية والاقتصادية تنهار إذا عاش الإنسان في قلق دائم من الغد أو من الآخر أو من فقدان لقمة العيش، فالقلق المستمر ليس حالة نفسية فقط، بل هو استنزاف للعمر وهدر للإنتاج وتآكل للثقة بين الناس والدولة وبين الفرد ونفسه. نحن نعيش في زمن فائض الضجيج وفقر السكينة؛ نمتلك تطبيقات تواصل أكثر مما نمتلك علاقات حقيقية، نستهلك أخبارًا أكثر مما نستهلك خبزًا، نخاف من المستقبل أكثر مما نحلم به. البيوت مليئة بالأجهزة الذكية لكن القلوب مثقلة بالهموم الصامتة.

صار الطفل قلقًا قبل أن يكبر، والشاب مرهقًا قبل أن يبدأ، والكهل متعبًا قبل أن يستريح. هذه ليست مشكلة أفراد، بل بنية حياة كاملة تقوم على الاستنفار الدائم. نكتب في الدساتير حرية التعبير والتنقل والتملك، لكننا لا نكتب حرية النفس من الخوف، مع أن الخوف أخطر من الفقر؛ فالفقر يجوع الجسد، أما الخوف فيأكل الروح. أليس من حق المواطن أن يعيش دون صراخ إعلامي دائم ودون لغة كراهية ودون تهديد وجودي يومي؟ أليست وظيفة الدولة والمجتمع والدين والثقافة أن تصنع الطمأنينة العامة لا مجرد الأمن المادي؟ الطمأنينة ليست ترفًا صوفيًا ولا دعوة للعزلة، بل هي مشروع دولة ومجتمع: سياسة حكيمة لا ترعب الناس، إعلام مسؤول لا يتاجر بالخوف، اقتصاد يوفر حدًا أدنى من الأمان، خطاب ديني يطمئن بدل أن يرعب، وعلاقات اجتماعية قائمة على الثقة لا الشك.

الطمأنينة ليست ضعفًا؛ إنها أعظم قوة هادئة تحمي المجتمع من الانفجار الداخلي. والعراق نموذج واضح لحاجة الشعوب إلى الطمأنينة الشاملة؛ فالعراقي مرّ بحروب وحصار وتفجيرات وهجرات وقلق دائم على الأولاد والمستقبل، ولذلك فإن أكبر مشروع وطني اليوم ليس الإعمار فقط بل ترميم الداخل الإنساني. نحتاج إلى مدارس تعلم أبناءنا مهارات الطمأنينة، وإلى إعلام يخفف الاحتقان، وإلى قيادات تصنع الأمل بدل صناعة الأزمات. الطمأنينة تبدأ من الإنسان لكنها لا تكتمل إلا بالمجتمع؛ هي تدريب على الرضا لكنها تحتاج إلى بيئة عادلة، وهي قوة روحية لكنها تحتاج إلى سياسات واقعية.

لا يمكن أن نطالب الإنسان بالطمأنينة بينما عمله مهدد وصحته مجهولة المصير وحاضره مضطرب ومستقبله غائم. الإنسان ليس آلة، بل كائن يحتاج إلى شعور عميق بأن الحياة لن تخونه كل يوم. لذلك ندعو بجدية إلى إدراج الطمأنينة النفسية والاجتماعية ضمن حقوق الإنسان في الخطاب الديني والتربوي والتشريعي والسياسات العامة، وأن يُنظر إلى بث الخوف والكراهية والهلع باعتباره اعتداءً على حق إنساني أصيل.

قد لا نستطيع أن نعد الناس بالثراء، لكن يمكننا أن نعدهم بالطمأنينة؛ وقد لا نستطيع أن نمحو كل الألم، لكن يمكننا أن نخفف الرعب من القلوب. الإنسان الذي ينام مطمئنًا يعيش عمرين: عمرًا فوق الأرض وعمرًا داخل نفسه. فلنبدأ من هنا: لنطالب بحقنا في الطمأنينة… الحق الإنساني الأكبر المنسي في هذا العصر. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..

قد يعجبك ايضا