عواد علي – كركوك
يعيش العراق اليوم واحدةً من أكثر مفارقاته التاريخية إيلامًا: بلد واحد، دستور واحد، موارد هائلة، لكن مسارات اجتماعية وتنموية متباينة إلى حد التناقض. ففي الوقت الذي يشهد فيه إقليم كردستان تطورًا اجتماعيًا ملحوظًا خلال العقدين الأخيرين، يرزح جنوب العراق– الغني بالنفط والتاريخ والإنسان– تحت وطأة تراجع اجتماعي وخدماتي واقتصادي يكاد يكون بنيويًا. هذه المفارقة لا يمكن تفسيرها بالصدفة، بل هي نتاج خيارات سياسية، وأنماط حكم، وبُنى ثقافية وإدارية متباينة.
لا تنطلق المقارنة هنا من منطق المفاضلة القومية أو الجغرافية، بل من سؤال الدولة: لماذا ينجح نموذج محلي داخل الدولة العراقية، بينما يفشل نموذج آخر داخل الدولة نفسها؟ ولماذا تتباين مؤشرات الاستقرار الاجتماعي، والخدمات، والتعليم، والحياة المدنية بين الإقليم والجنوب، رغم خضوعهما– نظريًا– للنظام السياسي ذاته؟
منذ عام 2003، استطاع إقليم كردستان أن يرسّخ حدًا أدنى من الاستقرار السياسي والأمني، وهو شرط أولي لأي تطور اجتماعي. هذا الاستقرار لم يكن مثاليًا، لكنه كان كافيًا لإطلاق عملية تراكمية شملت: نشوء طبقة وسطى واضحة المعالم في مدن الإقليم (أربيل، السليمانية، دهوك) تعمل في التجارة، والخدمات، والتعليم، والسياحة، والإعلام. وقد أسهم وجود هذه الطبقة في خلق قيم مدنية نسبية: احترام القانون، الاهتمام بالتعليم، والانفتاح الاجتماعي.
شهد الإقليم توسعًا في الفضاءات العامة:
المقاهي الثقافية، الجامعات الأهلية، المراكز التجارية، الفعاليات الفنية. هذه الفضاءات لا تُعد كماليةً، بل تشكّل بنيةً اجتماعيةً تُخفف من التطرف، وتعيد إنتاج المجتمع بطريقة سلمية.
بالرغم من وجود الفساد والمحسوبية في الإقليم، فإن إدارته اتسمت بقدر أعلى من الفاعلية مقارنة بالجنوب: مشاريع خدمية تُنجز، طرق تُعبّد، مدن تُخطط. المواطن الكردي يرى أثر السلطة في حياته اليومية، حتى وإن انتقدها.
استفاد الإقليم من علاقات خارجية، واستثمارات أجنبية، وحضور إعلامي دولي، ما أسهم في نقل أنماط حياة حديثة نسبيًا، وخلق طموح اجتماعي يتجاوز حدود البقاء.
في المقابل، يعاني جنوب العراق من البصرة إلى الناصرية والعمارة والديوانية، وحتى الفرات الأوسط، من تراجع اجتماعي حاد، رغم كونه الخزان النفطي والسكاني الأكبر في البلاد.
جرى تدمير الطبقة الوسطى الجنوبية بفعل البطالة، والفساد، وتحويل الوظيفة العامة إلى أداة ولاء سياسي. المجتمع بات منقسمًا بين فقراء معدمين وقلة طفيلية مرتبطة بالأحزاب.
لم تُبنَ أي اقتصاديات محلية حقيقية. الجنوب يعيش على رواتب الدولة، لا على الإنتاج. ومع كل أزمة مالية، يتعرّى المجتمع ويظهر هشاشته.
شهد الجنوب تصاعدًا في الخطاب الديني الشعبوي والمذهبي، وتحول الدين من قيمة روحية إلى أداة استغلال اجتماعي وسياسي. ورافق ذلك تراجع في الأنشطة المدنية، والحرية الفردية، واضطهاد للمرأة.
المواطن الجنوبي فقد ثقته بالدولة، لكنه لم يجد بديلًا مؤسسيًا، فبقي معلقًا بين الغضب واليأس.
يمكن تلخيص أسباب هذا التفاوت في عدة عوامل مترابطة: اعتمد الإقليم نموذجًا شبه مركزي بقرار محلي واضح، بينما خضع الجنوب لنموذج محاصصة طائفية شلّ القرار والخدمة.
في الإقليم، تتقدم الهوية القومية على الانقسامات الداخلية، بينما في الجنوب تم تفكيك المجتمع طائفيًا وعشائريًا. سلطة الإقليم تسعى– ولو براغماتيًا – لإرضاء المجتمع، بينما تعاملت سلطات الجنوب مع المجتمع ككتلة انتخابية أو تهديد أمني.
هل من أفق للتغيير؟
المفارقة المؤلمة أن جنوب العراق يمتلك كل مقومات النهوض: الثروة، الإنسان، التاريخ، والموقع. لكنه يفتقد إلى الإرادة السياسية، وإلى مشروع اجتماعي واضح. في المقابل، يواجه إقليم كردستان تحديات حقيقية: أزمة رواتب، فساد نسبي، انغلاق حزبي، ما يعني أن تقدمه ليس قدرًا نهائيًا، كما أن تراجع الجنوب ليس قدرًا أبديًا.
إن تطور إقليم كردستان وتراجع جنوب العراق ليسا حكايتين منفصلتين، بل وجهان لأزمة الدولة العراقية ذاتها. دولة فشلت في إنتاج عدالة تنموية، وتكافؤ اجتماعي، ونموذج حكم رشيد. وما لم يُعاد التفكير جذريًا في بنية السلطة، وطبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، فإن هذه المفارقة ستتحول من أزمة إلى انقسام اجتماعي طويل الأمد، يدفع ثمنه العراقيون جميعًا، بلا استثناء.