عقدة رئاسة الجمهورية في العراق:

أ.د.خليل مصطفى عثمان

تحوّل منصب رئيس الجمهورية في العراق من موقع دستوري رمزي يُفترض أن يكون عامل توازن وضمان، إلى عقدة سياسية معقّدة تعكس عمق الأزمة البنيوية في النظام السياسي العراقي. فالإشكال لم يعد متعلقاً بشخص المرشح بقدر ما بات تعبيراً عن خلل في إدارة التعدد، وغياب آليات حسم الخلافات داخل المكونات نفسها، ولا سيما داخل البيت الكوردستاني.

لقد أثبتت التجربة أن الاحتكام إلى الأرقام البرلمانية وحدها لا يكفي لحل هذه العقدة، كما أن استدعاء مكونات أخرى أو قوى خارجية لحسم المنصب لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، وإضعاف الموقع الرمزي لرئاسة الجمهورية، وتحويلها من منصب توافقي جامع إلى أداة صراع وإخضاع سياسي.
في هذا السياق، تبرز مبادرة الرئيس مسعود بارزاني بوصفها مقترحاً سياسياً مسؤولاً لتفكيك الأزمة من داخلها، لا عبر فرض الحلول من الخارج. فجوهر المبادرة يقوم على مبدأ واضح:
أن يُحسم منصب رئاسة الجمهورية داخل البيت الكوردستاني، بعيداً عن تدخل البيت الشيعي أو القوى الإقليمية والدولية، وبما يحفظ كرامة المنصب ووحدته التمثيلية.
هذه المبادرة لا تعكس موقفاً حزبياً ضيقاً، بل رؤية سياسية أعمق مفادها أن:

تحويل المكونات الأخرى إلى “حَكَم” في الخلاف الكوردستاني يضعف الجميع،
وأن إشراك القوى الخارجية في حسم الاستحقاقات السيادية يفتح الباب أمام منطق الوصاية،
وأن الحل المستدام هو الحل الذي يولد من توافق داخلي حقيقي.
إن ترك مسألة الرئاسة لتوازنات البيت الشيعي، أو لإرادات إقليمية ودولية، يعني عملياً:
تجريد المنصب من استقلاله المعنوي،وإضعاف الدور التوافقي المفترض لرئيس الجمهورية،
وترسيخ سابقة خطيرة تُدار فيها الاستحقاقات الدستورية خارج سياقها الوطني و التوافقات المتبعة.
ومن منظور إدارة الأزمات السياسية، فإن أفضل الحلول ليست تلك التي تُنهي الخلاف سريعاً، بل تلك التي تمنع تكراره. وهذا ما تمنحه مبادرة بارزاني، لأنها تسعى إلى معالجة أصل المشكلة لا نتائجها، عبر إعادة الاعتبار للحوار الكوردي–الكوردي، وإبعاد المنصب عن لعبة كسر الإرادات.
غير أن نجاح هذا المسار لا يتوقف على المبادرة وحدها، بل على موقف النخب الكوردستانية نفسها. فهذه النخب، في بغداد وأربيل، تقف اليوم أمام اختبار تاريخي حقيقي:
إما أن ترتقي إلى مستوى المسؤولية الوطنية، أو أن تكرّس ـ عن قصد أو عن عجز ـ تهميش الدور الكوردي في قلب الدولة العراقية للسنوات اللاحقة.
إن تحويل رئاسة الجمهورية إلى ساحة صراع داخلي مفتوح، أو رهنها بتوازنات البيت الشيعي، أو بانتظار إشارات من الخارج، لا يضعف طرفاً كوردياً بعينه، بل يُضعف الكورد جميعاً، ويفقدهم ما تبقى من قدرتهم على التأثير في القرار الاتحادي.
المطلوب اليوم ليس تسجيل النقاط ولا تحقيق انتصارات ظرفية، بل حماية الموقع السياسي. فالمناصب تزول، أما السوابق السياسية فتبقى، وما يُهدم اليوم تحت عنوان “الانتصار الحزبي” سيصعب ترميمه غداً باسم “الشراكة الوطنية”.
إن مبادرة الرئيس مسعود بارزاني ليست دعوة لتغليب طرف على آخر، بل نداء لإعادة القرار إلى أصحابه، ومنع انزلاق المنصب إلى دائرة الوصاية أو الابتزاز السياسي. وهي فرصة تاريخية للنخب الكوردستانية كي تثبت أنها قادرة على إدارة خلافاتها بنفسها، دون أوصياء، ودون أثمان مؤجلة.
فإما أن يخرج رئيس الجمهورية من توافق كوردستاني حرّ، فيُحسب ذلك للكورد جميعاً،
وإما أن يخرج من تسوية مفروضة، فيُسجَّل ذلك كسابقة تُضعف الموقف الكوردستاني لسنوات قادمة.

قد يعجبك ايضا