أ.د.خليل مصطفى عثمان
لم يعد النقاش حول أصل اللغات الهندوأوروبية شأنًا لغويًا بحتًا أو جدلًا أكاديميًا مغلقًا، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى ساحة تقاطع بين علم اللغة، وعلم الوراثة، والآثار، ونمذجة البيانات. وفي هذا السياق، عادت كوردستان – بوصفها جزءًا جوهريًا من شمال الهلال الخصيب والأناضول العليا – إلى واجهة البحث العلمي العالمي، لا عبر الخطاب القومي، بل عبر نتائج دراسات منشورة في أرفع المجلات العلمية الدولية.
أبرز هذه الدراسات هي البحث الذي نُشر في مجلة Science عام 2023 تحت عنوان:
Language trees with sampled ancestors support a hybrid model for the origin of Indo-European languages.
وقد شارك في هذه الدراسة فريق دولي من الباحثين في اللغويات الحاسوبية، والإحصاء البايولوجي، وعلم الإدراك، واستخدموا نماذج Bayesian phylogenetics لتحليل بيانات مفردات أساسية لأكثر من 160 لغة هندوأوروبية قديمة وحديثة، من بينها لغات منقرضة مثل الحيثية والتوخارية.
ما يميز هذه الدراسة أنها كسرت الثنائية التقليدية بين فرضية السهوب (التي تُرجع الأصل إلى سهوب أوكرانيا وجنوب روسيا) وفرضية الأناضول الزراعية، وقدمت بدلًا من ذلك نموذجًا هجينًا. هذا النموذج يفترض أن الجذر الأول للعائلة اللغوية يعود إلى مجتمعات زراعية مبكرة في نطاق جغرافي يشمل شمال الهلال الخصيب وجنوب القوقاز، قبل أن تنتقل فروع لاحقة من هذه اللغات عبر السهوب إلى أوروبا وآسيا الوسطى.
تقدّر الدراسة عمر اللغة الأم الهندوأوروبية بحوالي 8000–8500 سنة قبل الحاضر، أي أقدم من تاريخ توسع ثقافات السهوب الرعوية بنحو ألفي عام. وهذا التقدير الزمني ينسجم مع ما هو معروف آثاريًا عن ظهور الزراعة والاستقرار البشري المبكر في مناطق زاغروس وأعالي دجلة والفرات، وهي مناطق تشكّل القلب التاريخي لكوردستان.
ولا تقف الأدلة عند حدود اللغويات. فدراسات الحمض النووي القديم (Ancient DNA)، المنشورة في Science وNature منذ عام 2015، أظهرت أن سكان أوروبا في العصر الحجري الحديث يحملون بصمة جينية واضحة قادمة من مزارعي الشرق الأدنى، قبل أن تتداخل لاحقًا مع موجات سكانية من السهوب. هذا التداخل الجيني يعكس مسارًا مزدوجًا للهجرة، يتوافق تمامًا مع النموذج اللغوي الهجين.
أما من الناحية الآثارية، فإن أعمال عالم الآثار الأمريكي روبرت جون بريدوود في مواقع مثل چايونو (Çayönü) وجرمو لا تزال تشكّل مرجعًا أساسيًا في فهم نشأة الزراعة. فقد أثبتت هذه الأبحاث أن التحول من الصيد إلى الزراعة حدث في شمال كوردستان قبل ما بين 10,000 و7,000 سنة قبل الميلاد، مع ظهور القرى المستقرة، والأدوات الزراعية، وأولى أشكال التنظيم الاجتماعي. وهذه البيئة المستقرة هي الشرط التاريخي الضروري لنشوء لغات مركبة وقابلة للانتشار.
إن أهمية هذه الدراسات بالنسبة لكوردستان لا تكمن في الادعاء بأنها “المهد الوحيد” للغات الهندوأوروبية، فالعلم لا يعمل بمنطق الحصر القومي، بل في كونها جزءًا محوريًا من المجال الجغرافي الذي شهد تشكّل البدايات الأولى لهذه العائلة اللغوية. وهذا بحد ذاته تصحيح عميق لسردية تاريخية طويلة همّشت دور الشرق، وحصرت الفعل الحضاري في أوروبا وحدها.
الأهم من ذلك أن هذه الاكتشافات تضع النخب الثقافية والأكاديمية الكوردية أمام مسؤولية جديدة: الانتقال من استهلاك نتائج البحث إلى إنتاجه. فالتاريخ الذي لا يُدعَم بالمختبر، والأرشيف، والتنقيب، يبقى عرضة للتشكيك. أما التاريخ الذي يُكتب بأدوات العلم، فيتحول إلى قوة معرفية لا يمكن تجاهلها.
إن عودة كوردستان إلى قلب النقاش العالمي حول أصل اللغة والحضارة ليست حدثًا عابرًا، بل مؤشر على أن الجغرافيا التي أنجبت الزراعة الأولى، وأسست للاستقرار البشري المبكر، لا تزال قادرة – بعد آلاف السنين – على أن تقول كلمتها، بلغة العلم هذه المرة، لا بلغة الأسطورة.