الخارجية ملائمة للكورد

محمد النامس

في كواليس السياسة العراقية، كثر الحديث مؤخرًا عن ضرورة أخذ الشيعة لوزارة الخارجية في الحكومة الجديدة، انطلاقًا من اعتبارها واجهة البلد وعنوان تواصله وتفاهمه مع الدول الأخرى. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته الشكلية، يصطدم بتجربة سياسية حديثة لا يمكن تجاهلها.
فوزارة الخارجية العراقية، بقيادتها الكردية، نجحت على أقل تقدير في إبعاد شبح الحرب عن العراق في ظل تداعيات هجوم السابع من أكتوبر وارتداداته الإقليمية. ففي وقتٍ هوجمت فيه خمس دول بعد ذلك التاريخ بسبب مشاركتها أو دعمها لحركة حماس، كان العراق ضمن دائرة الخطر، خصوصًا مع مشاركة فصائل عراقية في ضرب تل أبيب، إلا أنه لم يتعرض لهجوم مباشر.
وفي هذا السياق، يُحسب لوزير الخارجية فؤاد حسين نجاحه في التأثير على الموقف الأميركي، بما أسهم في تجنيب العراق الضربات الإسرائيلية، وهو ما يعكس دورًا دبلوماسيًا فاعلًا لا يمكن فصله عن طبيعة إدارة الوزارة نفسها.
ولفهم لماذا لم يكن هذا الأداء استثناءً أو صدفة، لا بد من العودة إلى الأعراف السياسية التي حكمت توزيع المناصب الوزارية بين المكونات بعد عام 2003، حيث أُسندت وزارة الخارجية إلى الكورد منذ تأسيس العراق الاتحادي، وكان أول وزير خارجية حينها هو هوشيار زيباري. وفي المقابل، حين تولى الشيعة وزارة الخارجية لمدة ست سنوات، طغت على أدائها ميول عقائدية واضحة، غالبًا ما جاءت على حساب المصلحة العليا للعراق.
ويشير مراقبون وباحثون إلى أن وجود وزارة الخارجية بيد الكورد يعني تلقائيًا تبني موقف عراقي أكثر حيادًا ورزانة وعقلانية، لما يمتلكه الكورد بحسب هؤلاء من حكمة وتأني، وعدم الانجرار خلف رأي الأغلبية أو العاطفة السياسية، فضلًا عن إتقانهم لغة التواصل والدبلوماسية الدولية.
وفي المقابل، يرى هؤلاء المراقبون أنه لو أُسندت وزارة الخارجية إلى السنة، فقد يتحول العراق إلى دولة تدور في فلك الخليج، وتُحكَر مواقفه الخارجية بما تتبناه دول مجلس التعاون، مع احتمال فتح باب عداءات جديدة، متأثرة بالإرث النفسي والسياسي السائد في المجتمع السني الذي قد يخرج منه وزير الخارجية.
أما إذا أُعطيت الوزارة للشيعة، فإن الموقف الخارجي للعراق قد يقترب أكثر من المحور الإيراني الروسي الصيني، بما يزيد من تعقيد المشهد داخليًا وخارجيًا، لا سيما في ظل التوازنات الحساسة التي يعيشها البلد.
ومن هنا، يمكن فهم سبب مطالبة بعض النواب والفاعلين السياسيين الشيعة بالوزارة، انطلاقًا من اعتقادهم بأن الخارجية العراقية كانت تميل في معظم مواقفها إلى المصالح الغربية أكثر من الشرقية. ورغم ذلك، فقد شهدت محطات عدة ردّت فيها الخارجية العراقية على إيران بلغة قوية وحكمة سيادية، بما يعكس استقلالية القرار لا تبعيته.
وهكذا، فإن بقاء وزارة الخارجية بيد الكورد لا يمثل مجرد تفصيل إداري أو عرف سياسي متوارث، بل يمكن اعتباره نجاحًا عراقيًا في تجاوز عقد الماضي، وبناء الثقة بين مكوناته، وتقديم صورة ناضجة عن التوافق السياسي، في وقتٍ أحوج ما يكون فيه العراق إلى عقل دبلوماسي هادئ أكثر من حاجته إلى شعارات صاخبة.

قد يعجبك ايضا