أحمد زبير باني
شهادة: صباح گەرماڤی
لم تكن الشمس في ذلك المساء تغيب، بل كانت تعتذر.
انسحبت ببطء خلف أسوار السجن، كأنها تخجل من إطالة النظر في وجوهٍ أنهكها الانتظار، وملامحَ تعلّمت كيف تشيخ واقفة. في باحةٍ يتكئ فيها الزمن على جدارٍ متآكل، وقفتُ وحيداً، لا أتكلم، بل ألوك الصمت كما يُلوك الجرح القديم، وأهضم خيباتٍ بلا نهاية.
لم يكن الهواء هواءً.
كان مزيجاً من رائحة الموت المؤجَّل، ومن توابل انتظارٍ مُرّ؛ انتظارٍ لا يشبه الصبر بقدر ما يشبه الإقامة الجبرية داخل الأمل.
قطع هذا السكون سجينٌ عربي. لم يكن وجهه وجهاً بقدر ما كان خريطةَ تيهٍ مفتوحة. اقترب بخطى مثقلة بالسنين، وألقى سؤاله كحجرٍ ثقيل في بركة عدمي:
«هل أنت من دهوك؟
هل تعرف محمد أمين عبد الله زبير؟»
لم يسقط الاسم على أذني، بل اخترقني.
في تلك اللحظة لم أكن أعلم أن هذا الاسم ليس مجرد شخص، بل جرحٌ مقدّس، كُتب له أن ينزف في عروق مدينةٍ كاملة، لا لسنوات، بل إلى أن يتعب النسيان نفسه.

كان محمد أمين واحداً من أولئك الذين لم يكتفوا بحلم الحرية، بل دفعوا ثمنه كاملاً.
ينتمي إلى عائلة معروفة في مدينة دهوك بتاريخها الاجتماعي ونضالها السياسي، ويعود نسبه إلى جده زبوباني، الذي كان معروفاً وذو صيت في المنطقة، شخصية تحظى بالاحترام والتقدير. عُرفت العائلة بانتمائها والتزامها بالحزب الديمقراطي الكوردستاني، ومن هذا الامتداد، لم يكن انخراط محمد أمين في تنظيمات الحزب فعلاً معزولاً أو طارئاً، بل امتداداً طبيعياً لسيرةٍ عائلية رأت في السياسة موقفاً أخلاقياً لا ترفاً فكرياً.
كان له دورٌ فعلي في ثورة گولان (أيار)، حين لم تكن السياسة خطاباً ولا شعاراً، بل حياةً مهدَّدة في كل منعطف. وحين كُشف أمره، لم يُمنح ترف الاختباء طويلاً؛ ففي عام 1980، أُلقي القبض عليه من قبل مديرية الأمن التابعة للنظام البعثي في محافظة دهوك. منذ تلك اللحظة، انقطعت أخباره، وانفتح في حياة أسرته فراغٌ لم يُغلق قط، ليصبح اسمه واحداً من أسماءٍ كثيرة ابتلعها الغياب، وبقيت عائلاتها معلّقة بين الانتظار واللايقين.
حينما يغتال الرقمُ الروح
يستعيد صباح گەرماڤی رحلته إلى ما سُمّي زوراً «محكمة».
عام 1982، حين اقتيد هو ومحمد أمين وسجينٌ ثالث إلى محرابٍ لا يُحاكم الأفعال، بل يقيس الأرواح بالأرقام.
لم يكن القاضي إنساناً، بل آلةً باردة تقطع المصائر وفق مواد قانونية تحوّلت إلى مشانق لغوية:
المادة 157: موتٌ مؤجَّل، تُترك لك فيه نافذةٌ ضيقة، قد ترى منها وجه أمك خلف القضبان.
المادة 156: العدم الخالص؛ ثقبٌ أسود يبتلع الجسد، ثم الاسم، ثم الذاكرة.
اختيرت المادة 156 لمحمد أمين.
لم يكتفوا بقتله، بل أرادوا له أن يذوب، أن يُمحى كما يُمحى الخطأ من الدفاتر، أن يُحرق حتى ظله، كي لا يجرؤ التاريخ على لفظ اسمه.
الأم التي عاشت على كذبةٍ رحيمة
أيُّ إرثٍ هذا الذي يُلقى على كتفي سجين؟
أن يتحوّل، رغماً عن القيود، إلى الرئة الوحيدة التي تتنفس منها أمّ.
كانت أمّ محمد أمين تأتي في كل زيارة، برفقة عائلتي. عيناها تسألان قبل لسانها، وأنا أقدّم لها ما يشبه البُشرى، وما هو في الحقيقة وجعٌ مغلّف بالرحمة:
«محمد أمين كان حيّاً حتى عام 1982».
عاشت تلك الأم ثماني سنوات على فتات هذه الجملة. نسجت منها قميصاً لعودةٍ مستحيلة، وأقامت في هذا التاريخ كما يُقام في بيتٍ آيلٍ للسقوط، لكن لا بديل عنه.
ثم جاءت انتفاضة 1991.
انكسرت الأبواب، خرج السجناء، ارتفعت الهتافات…
لكن مصير محمد أمين ظلّ زنزانةً مغلقة، مفتاحها ليس في يد أحد، إلا الريح.
غادرت الأم الحياة وهي تحمل في جفنها دمعةً جفّت من طول الانتظار، من دون قبرٍ تزوره، ولا ترابٍ تودّعه.
بهروشكێ: مطاردة اليقين
في ضجيج النصر، لم أركض خلف الشعارات. قادتني قدماي إلى سراديب سجن بهروشكێ. لم أبحث عن دمٍ يُراق، بل عن يقينٍ أستند إليه.
كنت أبحث عن ذلك الضابط، حارس مقابر الأحياء في أبو غريب، لأمسكه وأصرخ:
أين خبّأت ضوء محمد أمين؟
لكن الجلادين، كما كانوا بارعين في التعذيب، كانوا أكثر براعة في الاختفاء. توارى في زحام الهزيمة، حاملاً معه المفتاح الأخير، تاركاً لنا السؤال ينهش الصدور جيلاً بعد جيل.
ضد النسيان
محمد أمين عبد الله زبير لم يكن رقماً، ولا مادةً قانونية، ولا أثراً جانبياً لتاريخٍ دموي. كان مثقفاً، ومناضلاً، وابناً لمدينةٍ عُرفت بتاريخها المقاوم، وعقلاً منيراً خشيه الظلاميون، فأطفأوه، ثم حاولوا إقناعنا أن الظلام هو الحالة الطبيعية.
هذه الشهادة ليست مقالاً فقط، بل نداءٌ أخلاقي:
لا تتركوا أحبّتنا يُقتلون مرتين؛ مرةً في الزنازين، ومرةً في النسيان.
حق محمد أمين ليس قضيةً قانونية فحسب، بل كرامةُ مدينة، وذاكرةُ عائلة، وكرامةُ شعبٍ كامل يرفض أن يسلّم تاريخه للجلاد.
سيظل محمد أمين حيّاً
في كل سطرٍ لا يُقرأ،
وفي كل بابٍ لم يُفتح بعد