أنا أرمني يا زابيل: رواية الذاكرة والنجاة في مواجهة الإبادة

حسو هورمي

البطاقة التعريفية للرواية :

المؤلف : عزيز خمجفين

ترجمة وتقديم : داود مراد ختاري

الطبعة الأولى – طهران 2025

تأتي رواية «أنا أرمني يا زابيل» للكاتب عزيز خمجفين بوصفها عملًا سرديًا يجمع بين التوثيق التاريخي والبعد الإنساني، متخذةً من الإبادة الجماعية للأرمن عام 1915 نقطة انطلاق لسرد حكاية نجاة وهوية وذاكرة لا تزال مفتوحة على الأسئلة. الرواية لا تكتفي باستعادة الحدث، بل تسعى إلى تفكيك أثره العميق في حياة الأفراد والجماعات، من خلال سيرة الطفل الأرمني سركيس كيفو.

يفتتح الكاتب روايته بمشاهد قاسية من المجازر والتهجير القسري، حيث يفقد سركيس عائلته كاملة، ويُلقى به في رحلة هروب طويلة، تتداخل فيها البراري مع المقابر، ويصبح الجوع والخوف جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. هذا السرد لا يُقدَّم بوصفه استدرارًا للعاطفة، بل كتمهيد لفهم تشكّل وعي مبكر لدى طفل أُجبر على النضوج في مواجهة الموت.

في لحظة مفصلية، تنقذ عائلة إيزيدية سركيس من مصير محتوم، فيتبنّاه عقدي عثمان أوزمو وابنه خلف شلاش، ويُغيَّر اسمه إلى “هلوج” حمايةً له من الملاحقة العثمانية. هنا تبرز إحدى أهم ثيمات الرواية: الإنسانية العابرة للهويات. فالعلاقة بين الأرمن والإيزيديين لا تُقدَّم كحدث استثنائي عابر، بل كخيار أخلاقي في زمن الانهيار.

تتعمق الرواية في إشكالية الهوية، إذ يعيش سركيس بين انتمائه الأرمني المسيحي ونشأته داخل عائلة إيزيدية. هذا التعايش القسري – الطوعي في آن – لا يلغي أحد الجانبين، بل ينتج هوية مركّبة، تتجسد لاحقًا في مسألة زواجه من زابيل، الناجية الأرمنية الأخرى التي تربّت بدورها في كنف عائلة إيزيدية. زفافهما، الذي جمع بين الطقوس الأرمنية والتنظيم الإيزيدي، يتحول إلى رمز ثقافي لوحدة المصير بين الناجين، ولإمكانية التلاقي رغم الجراح.

لا تتوقف الرواية عند حدود النجاة الأولى، بل تتابع مسار التهجير المستمر، من ويرانشار إلى جبل سنجار، ثم إلى قرية دوو كري في سوريا، حيث عاش سركيس وزابيل حتى وفاتهما. هذا الامتداد الجغرافي يعكس واقع الأقليات في المنطقة، حيث لا يكون الاستقرار حالة دائمة، بل هدنة مؤقتة مع التاريخ.

تبلغ الرواية ذروتها الدلالية في عبارة سركيس الشهيرة: «إذا كانت روحي أرمنية، فإن عظامي ولحمي إيزيدي»، وهي عبارة تختصر فلسفة العمل كله، إذ تعبّر عن هوية تشكّلت من الذاكرة بقدر ما تشكّلت من الرعاية. ويتجسد هذا الإرث المركّب في الأجيال اللاحقة، ولا سيما في حفيده إبراهيم كيفو، الذي يعكس من خلال فنه وتعدّد لغاته هذا التنوّع الثقافي الموروث.

على المستوى الفني، تعتمد الرواية أسلوبًا سرديًا يجمع بين اللغة الشعرية الهادئة والسرد الوثائقي، مع حضور واضح للحوار الداخلي، ما يمنح النص كثافة وجدانية دون أن يفقد تماسكه التاريخي. كما تطرح الرواية أسئلة شائكة حول الذاكرة الجماعية، وصمت الشهادات، ومعاناة النساء، وإفلات الجناة من العقاب، في سياق نقدي غير مباشر لسياسات الإنكار وإعادة كتابة التاريخ.

في المحصلة، «أنا أرمني يا زابيل» ليست مجرد رواية عن الإبادة الجماعية، بل نص ثقافي يعيد الاعتبار لصوت الضحية، ويؤكد أهمية الرواية التوثيقية في حفظ الذاكرة، وتعليم الأجيال، وإحياء الهوية، وتعزيز التضامن الإنساني. إنها عمل أدبي يذكّر بأن التاريخ، مهما حاول البعض دفنه، يظل حيًا في الذاكرة والسرد.

التوصية: هذه الرواية موصى بها لكل مهتم بتاريخ الشرق الأوسط، وقضايا الهوية والإبادة الجماعية، وللقارئ الذي يبحث عن قصص إنسانية عميقة تلامس القلب والعقل.

شكرًا لكل من ساهم في إيصال هذه القصة: عزيز خمجفين في السرد والكتابة باللغة الكوردية ، الفنان إبراهيم كيفو حفيد الناجي سركيس في الإلهام، والأستاذ داود مراد ختاري في الترجمة والتقديم .

قد يعجبك ايضا