أ.د.خليل مصطفى عثمان
في العراق، ما زال الصوت المختلف يُستقبل بريبة، وما زال الحديث عن لغات وجبال ومكونات ثقافية مختلفة يُفهم على أنه تهديد للوحدة. المشكلة ليست في التعبير عن الهوية، بل في الأذن التي تسمع، وفي عقلٍ ما زال يخاف من تعدد أجزائه.
هذه الهواجس ليست حادثة عابرة، بل مرآة لجرحٍ قديم لم يُعالَج. في الذاكرة الكوردية، لا تزال حملات الأنفال، وحلبجة، والقرى التي اختفت من الخرائط، حاضرة كأنها حدثت أمس. هذه الذاكرة ليست نشيد كراهية، بل سجل ألم. وحين يُقابل الألم بالإنكار، لا يختفي، بل يتحول إلى صمت ثقيل، والصمت إلى مسافة باردة بين الإنسان والدولة.
بعد 2003، شارك الكورد في مشروع العراق الجديد وهم يحملون ذاكرة مثقلة وأملًا حذرًا. ساهموا في كتابة الدستور، ودافعوا عن الفيدرالية، وفتحوا كوردستان مأوى لكل من ضاقت به بغداد والبصرة والموصل. كان ذلك فعل انتماء صادق، وليس مناورة سياسية. لكن الانتماء في العراق كثيرًا ما يُقابَل بالشك، وكأن إثبات الحب للوطن مطلب دائم للكورد، فيما يُفترض حب الآخرين كأمر بديهي.
وحين قُطعت ميزانية الإقليم، وأُهملت مواد دستورية واضحة، وحين جرى التعامل مع استفتاء 2017 بالعقاب لا بالحوار، لم تكن تلك إجراءات سياسية فحسب، بل رسائل تقول: الشراكة مؤقتة، والحقوق قابلة للتعليق. في مثل هذا المناخ، يصبح التعبير عن الهوية فعل شجاعة، حتى بدون أي نوايا سياسية.
الغاضبون من أي مطالبة بالحقوق أو الاعتراف بالمكونات المختلفة لم يكونوا خائفين من الحقوق نفسها، بل مما تمثل: سؤال بسيط وواضح: هل يستطيع العراق أن يسمع أبناءه وهم يتحدثون بلغات مختلفة دون أن يرتاب؟ هل يستطيع أن يرى في الاعتراف بالهوية قوة للوطن، لا تهديدًا لوحدته؟
إن الدفاع عن حق كل مكون في التعبير عن ذاته ليس مجرد مطلب سياسي، بل دفاع عن معنى الوطن نفسه. عن عراق لا يرتعب من أسمائه، ولا يخجل من تنوعه، ولا يطالب أبناءه بالصمت كي يبقوا مقبولين. عراق يفهم أن الاعتراف بالهوية ليس تهديدًا، بل جزء أساسي من استقرار الوطن واستدامته.
ينتهي خطاب العنصرية في العراق حين نتوقف عن معاقبة الاختلاف، وحين نفهم أن الهوية ليست استفزازًا، وأن الوطن لا يُحمى بإنكار أجزائه. ينتهي حين تصبح الأصوات المختلفة أقل خطورة من صمت الكبار، وحين نجرؤ على الاعتراف بأن المشكلة لم تكن يومًا في ما يُقال… بل في ما لم نرد سماعه.
وحتى ذلك الحين، ستظل أصوات العراقيين الذين يطالبون بالاعتراف والتعدد أصدق من خطاباتنا الرسمية، لأنها تقول ببساطة ما نعجز نحن عن قوله: إن العراق لا يكون وطنًا كاملًا، إلا حين يتّسع للجميع.