التاريخ كمفتاح لفهم الإنسان

د. خليل مصطفى عثمان

في زمنٍ كانت فيه أوروبا أسيرة الانبهار بالعقل الرياضي والمنهج الديكارتي الصارم، خرج فيلسوف إيطالي مغمور نسبيًا ليقترح ثورة معرفية هادئة، لكنها عميقة الأثر. إنه جيامباتيستا فيكو (1668–1744)، صاحب كتاب «العلم الجديد»، أحد أكثر الأعمال جرأة في تاريخ الفكر الإنساني، والذي أعاد الاعتبار للتاريخ، واللغة، والأسطورة، بوصفها مفاتيح لفهم الإنسان والمجتمع.

ولد فيكو في نابولي، وعاش حياة علمية شاقة في الهامش الأكاديمي، بعيدًا عن مراكز الضوء الفلسفي في عصره. لم يكن فيلسوفًا نسقيًا بالمعنى التقليدي، بل مفكرًا موسوعيًا جمع بين القانون، والتاريخ، واللغة، والفلسفة. وقد جاء كتابه «العلم الجديد» تتويجًا لمشروعه الفكري، ومحاولة لتأسيس علم جديد يدرس المجتمعات البشرية من داخلها، لا وفق قوانين الطبيعة الصماء.

ينطلق فيكو من فكرة جذرية تقول إن: ((الإنسان لا يستطيع فهم الطبيعة فهمًا كاملًا لأن الله هو من خلقها، لكنه يستطيع فهم التاريخ لأن الإنسان هو من صنعه)).

بهذه العبارة، يقلب فيكو المعادلة المعرفية السائدة في عصره. فبينما كان ديكارت وأتباعه يرون الحقيقة في الرياضيات والفيزياء، رأى فيكو أن التاريخ، والقانون، واللغة، والأسطورة هي المجالات التي يستطيع العقل الإنساني أن يفهمها بعمق، لأنها من نتاجه هو. من أبرز أفكار فيكو نظريته حول الدورات التاريخية للحضارات، حيث يرى أن الأمم تمر حتمًا بثلاث مراحل:

1- عصر الآلهة
حيث يعيش الإنسان البدائي في عالم يسوده الخوف، ويُفسِّر الظواهر الطبيعية تفسيرًا دينيًا وأساطيريًا. هنا تتشكل البذور الأولى للدين والرمز.

2- عصر الأبطال
مرحلة الأرستقراطيات والمحاربين، حيث تسود قيم الشجاعة والقوة، وتظهر الملاحم الكبرى، مثل أشعار هوميروس. إنها مرحلة النخب والبطولة والتراتبية الاجتماعية.

3- عصر البشر
عصر العقل والقوانين المدنية والمساواة النسبية. غير أن فيكو يحذر من أن هذا العصر، إذا تطرف في العقلانية والمنفعة، قد ينتهي بما سماه «بربرية العقل»، حيث ينهار المعنى، ويعم الفساد، فتسقط الحضارة وتبدأ دورة جديدة.

هذه الرؤية تجعل التاريخ ليس خطًا تصاعديًا دائمًا، بل حركة دائرية مليئة بالصعود والانهيار. وخلافًا للنظرة الحديثة التي تعتبر الأساطير خرافات، يرى فيكو أن الإنسان الأول كان يمتلك ما يسميه (الحكمة الشعرية). فالعقل القديم لم يكن مجردًا أو منطقيًا كما هو اليوم، بل كان خياليًا، رمزيًا، عاطفيًا. ومن هنا، تصبح الأساطير واللغات القديمة وثائق تاريخية حقيقية، تعكس الطريقة التي فهم بها الإنسان العالم والوجود.

بهذا المعنى، لا يمكن فهم الحضارات القديمة دون فهم لغتها ورموزها وأساطيرها. جاء كتاب «العلم الجديد» بوصفه نقدًا جذريًا للمنهج الديكارتي الذي اختزل المعرفة في الرياضيات واليقين العقلي. جادل فيكو بأن هذا المنهج يصلح لدراسة الطبيعة، لكنه عاجز عن فهم الإنسان. فالمجتمع لا يُفهم بالمعادلات، بل عبر: اللغة والدين والقانون والعادات والمخيال الجمعيوهو ما يجعل فيكو سابقًا لعصره في تأسيس ما سيُعرف لاحقًا بعلم الاجتماع وفلسفة التاريخ.

يُعد «العلم الجديد» اليوم أحد النصوص المؤسسة لـ: فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا الثقافية وقد أثّر في مفكرين كبار مثل: كارل ماركس (في فهم التاريخ بوصفه نتاجًا بشريًا) وجيمس جويس (الذي استلهم البنية الدائرية للتاريخ) وصمويل بيكيت وغيرهم.

أما الترجمة العربية التي أنجزها الدكتور أحمد الصمعي، فقد أعادت هذا العمل الجوهري إلى القارئ العربي بلغة دقيقة، مكّنت من استعادة فيكو بوصفه مفكرًا حيًا لا مجرد اسم في تاريخ الفلسفة.

لأن عالمنا المعاصر، رغم تقدمه التقني، يعيش أزمات معنى، وصراعات هوية، وانهيارات حضارية متسارعة. وفيكو يذكرنا بأن العقل وحده لا يكفي، وأن فهم المجتمعات يبدأ من ذاكرتها، ورموزها، وتاريخها العميق.

إن «العلم الجديد» ليس كتابًا في الماضي، بل مرآة حادة للحاضر، ودعوة لإعادة التفكير في مسار الحضارة قبل أن تقع في بربرية جديدة… ولكن هذه المرة باسم العقل ذاته.

قد يعجبك ايضا